تقارب ليبيا والنيجر.. معادلات أمنية جديدة تفرضها تحديات الساحل (خاص)
تشهد العلاقات الليبية النيجرية تسارعًا ملحوظًا في وتيرة الاتصالات بين البلدين، في مؤشر يعكس انتقالها إلى مرحلة أكثر نشاطًا، تفرضها التحولات الأمنية المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل والصحراء، وما رافقها من تغيرات في موازين النفوذ الإقليمي.
ويأتي هذا الحراك في وقت تواجه فيه دول المنطقة تحديات متشابكة، تتصدرها تحركات الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير الشرعية، إلى جانب إعادة رسم التحالفات الإقليمية بعد انسحاب قوى دولية وصعود ترتيبات أمنية جديدة، الأمر الذي دفع ليبيا والنيجر إلى إعادة ترتيب أولوياتهما الأمنية والاقتصادية.
وكشف تقرير نشره موقع «أفريكا إنتليجنس» الفرنسي، المتخصص في الشؤون الاستخباراتية، أن العلاقات بين طرابلس ونيامي تتجه إلى مرحلة جديدة من التقارب، مدفوعة بمتغيرات متسارعة فرضت على البلدين تعزيز التنسيق الأمني وتوسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي.
ويرى خبراء تحدثوا لـ«العين الإخبارية» أن هذا التقارب لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى التي يشهدها إقليم الساحل، حيث تتراجع أنماط النفوذ التقليدية لصالح ترتيبات جديدة تدفع دول المنطقة إلى البحث عن شراكات أكثر استقلالية تحقق مصالحها الوطنية.
وبين ضرورات الأمن ومتطلبات الاقتصاد والتحولات التي تعيد رسم خريطة النفوذ في منطقة الساحل، يبدو أن التقارب بين ليبيا والنيجر يتجاوز كونه تنسيقًا ثنائيًا عابرًا، ليعكس مسارًا إقليميًا جديدًا تسعى من خلاله دول المنطقة إلى بناء شراكات أكثر استقلالية وقدرة على التعامل مع التحديات المشتركة.
غير أن نجاح هذا المسار سيظل، وفق تقديرات المراقبين، مرتبطًا بقدرة ليبيا على استكمال توحيد مؤسساتها وإنهاء الانقسام السياسي، بما يتيح وجود شريك ليبي موحد قادر على تحويل التفاهمات السياسية إلى تعاون أمني واقتصادي مستدام، ويمنح البلدين فرصة لبناء معادلة جديدة تحفظ استقرار الحدود وتعزز فرص التنمية في واحدة من أكثر مناطق القارة الأفريقية حساسية.
وتتقاسم ليبيا والنيجر حدودًا برية تمتد لنحو 342 كيلومترًا في أقصى الجنوب الغربي لليبيا، حيث تبدأ من النقطة الحدودية المشتركة مع الجزائر غربًا، وصولًا إلى الحدود مع تشاد شرقًا عبر مناطق صحراوية شاسعة، وهو ما يجعل هذه المنطقة إحدى أكثر المناطق حساسية من الناحية الأمنية.
ويعد معبر التوم المنفذ البري الرئيسي بين البلدين، ويقع جنوب شرقي مدينة مرزق، وقد شهد خلال الأشهر الماضية محاولات تسلل وخروقات أمنية نفذتها مجموعات مسلحة، تصدت لها قوات الجيش الليبي، في ظل استمرار النشاط المكثف لشبكات التهريب والتنظيمات الإرهابية التي تستغل اتساع الصحراء وصعوبة مراقبة الحدود.
ووفقًا للتقرير، أوفدت النيجر مبعوثين إلى العاصمة الليبية لإجراء مباحثات مع مسؤولين ليبيين تناولت سبل تعزيز التعاون الأمني وإدارة الحدود المشتركة، إضافة إلى تنسيق المواقف تجاه التطورات المتسارعة في منطقة الساحل.
وأشار التقرير إلى أن أحد أبرز الملفات المطروحة خلال هذه الاتصالات يتعلق بالمواطنين النيجريين المحتجزين في ليبيا، إذ تعمل نيامي على معالجة هذا الملف عبر قنوات تفاوض مباشرة، بالتوازي مع توسيع مجالات التعاون السياسي والأمني.
ويأتي هذا الحراك بعد سلسلة من الزيارات واللقاءات المتبادلة خلال الأشهر الماضية، بما يعكس رغبة مشتركة في بناء شراكة أكثر استقرارًا تستجيب لمتطلبات المرحلة الجديدة.
وفي الوقت الذي تسعى فيه النيجر إلى تنويع شراكاتها الإقليمية والخروج من آثار العزلة التي واجهتها خلال السنوات الماضية، تبدو ليبيا شريكًا يصعب تجاوزه بحكم الحدود المشتركة، إضافة إلى ما تمثله موانئها المطلة على البحر المتوسط من منفذ استراتيجي لدولة حبيسة تبحث عن بدائل تجارية أكثر استقرارًا.
وفي المقابل، تدرك ليبيا أن استقرار جنوبها أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة باستقرار دول الجوار، وفي مقدمتها النيجر، وهو ما يجعل التعاون الأمني مع نيامي أحد المفاتيح الأساسية للحد من المخاطر العابرة للحدود.
رهان الوحدة الليبية
ويربط الباحث الليبي إدريس أحميد جدوى التقارب الحالي بين ليبيا والنيجر بقدرة ليبيا على إنهاء حالة الانقسام السياسي وتوحيد مؤسساتها، معتبرًا أن أي اتفاقات ثنائية لن تحقق نتائجها الكاملة ما لم تستند إلى دولة موحدة تمتلك قرارًا سياديًا واحدًا.
ويقول أحميد في حديث لـ«العين الإخبارية» إن هناك اتفاقيات سابقة بين ليبيا ودول الجوار، ومنها النيجر، موضحًا أن هذه الاتفاقات يمكن أن تؤتي ثمارها في حال تحققت الوحدة الليبية، لكنه يستبعد إمكانية تفعيلها بصورة فعالة في ظل استمرار الانقسام المؤسسي في ليبيا.
ويعتبر أن نجاح أي خطوات تتعلق بالملف الأمني والعسكري يبقى مرهونًا بالتوافق مع القيادة العامة للجيش الليبي، مؤكدًا أن الدور الذي يمكن أن تلعبه ليبيا في محيطها الأفريقي يقوم أساسًا على البعد الأمني والعسكري.
ويضيف الباحث الليبي أن ليبيا بذلت جهودًا كبيرة في تأسيس الاتحاد الأفريقي، وأسهمت تاريخيًا في دعم مسيرة القارة وحركات التحرر، ولذلك فإن عودة الدولة الليبية الموحدة قد تعيد لها مكانتها الإقليمية والدولية، وتمنحها قدرة أكبر على تطوير علاقاتها مع دول الجوار وتحقيق المصالح المشتركة.
ويتابع أنه، بشكل رسمي، هناك اتفاقات مع النيجر، ولذلك فإن التحركات الحالية من جانب النيجر من الممكن أن يتم تأجيلها لحين توحيد المؤسسات، حتى تثمر هذه التحركات عن نتائج إيجابية لكلا البلدين، خاصة أنه كان هناك تعاون بين حكومة النيجر والقيادة العامة، باعتبارها المسؤولة عن توحيد المؤسسة العسكرية.
ضرورات التقارب
من جانبه، يرى الباحث الموريتاني في الشؤون الأفريقية وقضايا الساحل محمد معط الله أن التقارب بين طرابلس ونيامي تحكمه مجموعة من الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية التي فرضتها التطورات المتسارعة في منطقة الساحل.
وقال معط الله، في حديث خاص لـ«العين الإخبارية»، إن من أبرز هذه الاعتبارات إدارة التهديدات الأمنية العابرة للحدود، موضحًا أن ليبيا والنيجر ترتبطان بحدود صحراوية واسعة تفتقر إلى ضوابط سيادية فعالة، لا سيما بعد خروج القوات الغربية من النيجر واستمرار الانقسام المؤسسي داخل ليبيا، الأمر الذي أسهم في إعادة تشكل هذه الحدود كفضاء تتحرك فيه الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة.
وأضاف أنه يمكن أيضًا فهم سعي طرابلس إلى ضمان ألا يتحول جنوبها الليبي إلى ملاذ آمن لعناصر عابرة تهدد أمنها، في مقابل توجه نيامي إلى تعزيز التنسيق الأمني مع ليبيا لإدارة الحدود المشتركة التي قد تُستغل من قبل التنظيمات المسلحة، بحيث إن هذا التنسيق أصبح ضرورة لا بد منها تفرضها ديناميكيات التهديد المشترك.
وأشار الباحث إلى أن البعد الاقتصادي لا يقل أهمية عن البعد الأمني، موضحًا أن النيجر، باعتبارها دولة حبيسة، تواجه تحديات كبيرة في الوصول إلى المنافذ البحرية، خاصة بعد العقوبات التي فرضتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس»، وإغلاق بنين حدودها البرية لفترة سابقة، وهو ما زاد الضغوط على الاقتصاد النيجري.
وتابع أن ليبيا، بما تمتلكه من موانئ على البحر المتوسط، تمثل خيارًا لوجستيًا مهمًا أمام نيامي لتأمين تدفق التجارة والسلع، الأمر الذي يمنح التقارب الحالي بعدًا اقتصاديًا إلى جانب الملفات الأمنية.
إعادة التموضع
ومن مالي، يرى الكاتب والباحث في الشؤون الأفريقية وقضايا الساحل ماريغا ماسري أن التحركات الأخيرة لنيامي تعكس عملية إعادة تموضع واسعة في سياستها الخارجية، تستهدف إعادة ضبط علاقاتها مع محيطها الإقليمي بعد سنوات من التوتر.
ويقول ماسري، في حديث خاص لـ«العين الإخبارية»، إن النيجر شهدت خلال الفترة الأخيرة تطورًا في علاقاتها مع بعض دول غرب أفريقيا، ولا سيما بنين ونيجيريا، كما عززت تعاونها مع الجزائر، وهو ما يعكس رغبتها في تجاوز مرحلة العزلة التي فرضتها الظروف السياسية السابقة، والعودة إلى بناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة.
ويربط الباحث هذه التحركات بالتحولات التي يشهدها ميزان القوى في منطقة الساحل، موضحًا أن تراجع النفوذ الفرنسي بعد انسحاب القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر أوجد فراغًا سمح لقوى أخرى بتعزيز حضورها داخل المنطقة.
وأشار ماسري إلى أن روسيا أصبحت من أبرز الفاعلين الجدد في الساحل، خاصة في المجالين الأمني والعسكري، من خلال تعاونها مع عدد من دول المنطقة، لكنه يؤكد أن قراءة السياسة الخارجية للنيجر لا ينبغي أن تُختزل في إطار المنافسة بين موسكو وباريس.
وأضاف أن نيامي تتحرك في المقام الأول وفق حسابات ترتبط بأمنها الوطني ومتطلبات التنمية، وسعيها إلى توسيع هامش استقلالية قرارها السياسي بعيدًا عن الارتهان لأي محور دولي.
واختتم بالقول إن التقارب مع ليبيا يمثل جزءًا من عملية إعادة تموضع تقوم بها النيجر؛ فهي لا تبحث فقط عن حليف جديد، وإنما تحاول بناء شبكة علاقات تساعدها على مواجهة التحديات الأمنية، وتحقيق مصالحها الاقتصادية، والحفاظ على موقعها كدولة محورية تربط بين الساحل وغرب أفريقيا وشمال أفريقيا.