خلافات وتسريبات.. المبادرة الأمريكية تواجه رياحًا معاكسة بليبيا (خاص)
تواجه المبادرة الأمريكية الرامية إلى معالجة الأزمة الليبية أول اختبار سياسي وميداني منذ بدء الترويج لها.
الاختبار جاء بعدما أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه للمبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، اعتراضا على ما وصفه بترتيبات إعادة تشكيل السلطة التنفيذية والأسماء المتداولة ضمن التصور الأمريكي.
ويأتي هذا الموقف في وقت تشهد فيه الأزمة الليبية حراكًا دوليًا متسارعًا، تقوده الولايات المتحدة بالتوازي مع جهود الأمم المتحدة بهدف إنهاء الانقسام المؤسسي، وتوحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الأجواء لإجراء الانتخابات.
ويرى مراقبون أن موقف المجلس العسكري في مصراتة يمثل أول اختبار عملي لقدرة المبادرة الأمريكية على التعامل مع الاعتراضات المحلية خاصة أن المدينة تعد أحد أبرز مراكز الثقل السياسي والعسكري في غرب ليبيا، بما يجعل أي موقف يصدر عنها ذا تأثير مباشر على فرص نجاح أي مسار سياسي جديد.
أول عقبة أمام المبادرة
وأكد المجلس العسكري في مصراتة، في بيان له، مساء الإثنين رفضه للأسماء المتداولة ضمن التصور الأمريكي لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية، كما أعلن رفضه للزيارة المرتقبة لمسعد بولس إلى المدينة، مشددًا على أنه لن يقبل بأي ترتيبات سياسية تفرض سلطات على الليبيين بحسب ما ورد في البيان.
ويعكس هذا الموقف حجم التحديات التي قد تواجه أي مبادرة سياسية جديدة، في ظل استمرار تباين مواقف القوى المحلية بشأن شكل المرحلة المقبلة وآليات إعادة بناء السلطة.
وفي المقابل، يرى متابعون أن الحراك الدولي الحالي يعكس رغبة متزايدة في كسر حالة الجمود السياسي التي تعيشها ليبيا منذ سنوات، عبر الدفع نحو توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية، تمهيدًا للاستحقاقات الانتخابية.
التوافق أولوية قبل الخلافات
من جانبه، يرى الكاتب والباحث في الشأن الليبي إدريس أحميد، في تصريحات خاصة لـ"العين الإخبارية"، أن المرحلة الحالية لا تحتمل مزيدًا من الانقسامات.
ويقول إن "الأزمات التي تعاني منها ليبيا منذ سنوات لا تستدعي خلافات في ظل وجود مساعٍ للتوافق، خاصة وأن هذه المساعي تستهدف توحيد المؤسسات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتشكيل الحكومة، والذهاب إلى الانتخابات."
ويعتبر أحميد أن البلاد تمر بمرحلة تستوجب تغليب المصالحة وتقريب وجهات النظر، مشيرًا إلى أن لجنة "5+5" العسكرية نجحت خلال الفترة الماضية في عقد اجتماعات اتسمت بأجواء إيجابية وأسفرت عن قرارات مهمة في مسار توحيد المؤسسة العسكرية.
ويضيف أن "المبادرات الدولية ومنها المبادرة الأمريكية، تدرك تعقيدات المشهد السياسي في البلاد، وترى أن الدعم للخروج من هذه الأزمة يتمثل في توحيد المؤسسات كخطوة أولى، لذلك فإن الاعتراضات الحالية لا تمثل موقفًا شعبيًا في ظل رغبة الليبيين في الوصول إلى الاستقرار وتطلعهم إلى عودة مؤسسات الدولة الموحدة."
ويؤكد أن الوصول إلى توافق سياسي يظل المدخل الأساسي لإنهاء ظاهرة التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة، معتبرا أن "أهمية الوصول للتوافق في ليبيا وتوحيد المؤسسات تكمن في إنهاء وجود أي كيانات مسلحة خارج إطار الدولة، لذلك فإن المزاج الليبي العام يتجه إلى الحل والتوافق في ظل المخاطر الكبيرة التي تواجه الدولة الليبية، ولذلك لا بد من تفعيل الحوار ودمج كل الأطراف تحت راية الدولة الليبية، أما خلاف ذلك فليس له أي شرعية."
خارطة طريق مسربة
وعن التطورات الأخيرة المرتبطة بالمبادرة الأمريكية، يقول الباحث الأكاديمي الليبي في الشؤون السياسية والاستراتيجية محمد امطيريد، لـ"العين الإخبارية": إن هناك خارطة طريق مسربة تتضمن تشكيل مجلس رئاسي برئاسة صدام حفتر، وسوف يتم الإعلان عن حكومة توافقية في 24 ديسمبر/كانون الأول 2026، وهو التاريخ الموافق لعيد استقلال ليبيا، ومن ثم ستعمل لجنة (4+4) على القوانين الدستورية وقانون الانتخابات".
ويضيف امطيريد أن التسريبات تتضمن إجراء انتخابات برلمانية في منتصف عام 2027، مع تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى حين الفصل في القانون الرئاسي، موضحًا: بعد استلام البرلمان الجديد سيكون مقر المجلس الرئاسي في طرابلس تحت توافقات تركية أمريكية وإيطالية، وهذه هي الخطوات الهيكلية المقترحة للمبادرة الأمريكية للسلام، والتي تمتد مراحلها إلى عام 2032."
ويوضح أن المجلس الرئاسي وفق التصور المتداول ستكون له صلاحيات واسعة مع تشكيل حكومة موحدة بين شرق البلاد وغربها، مضيفًا: مبدئيًا سيكون رئيس المجلس الرئاسي صدام حفتر المرشح من الشرق الليبي أما بخصوص الحكومة فما زال الأمر لم يُحسم بعد بين عبدالحميد الدبيبة أو إبراهيم الدبيبة".
وتبقى هذه المعلومات في إطار التسريبات المتداولة، دون إعلان رسمي من الجانب الأمريكي بشأن تفاصيل المبادرة أو مكوناتها النهائية.
تقاطع أمريكي أممي
بدوره، قال الباحث في الشؤون الأمريكية والعلاقات الدولية إيهاب عباس، لـ"العين الإخبارية" إن المشهد الحالي يشير إلى وجود استعداد لدى الأطراف الليبية للتفاهم، موضحًا أنه خلال هذه المرحلة يبدو أن الشرق والغرب لديهما الرغبة للتوافق والأمر يتوقف الآن عند ماذا سيقدم كل طرف لإحداث هذا التوافق والوصول إلى حلول لتوحيد الدولة الليبية".
ويرى عباس أن الولايات المتحدة تسعى إلى لعب دور أكثر فاعلية في إدارة الملف الليبي، انطلاقًا من ارتباط استقرار ليبيا بأمن شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، فضلًا عن انعكاساته على الأمن الأوروبي.
ويقول: "‘إن هناك أيضًا مبادرة للأمم المتحدة ما زالت موجودة على الخارطة، وربما تتوافق مع المبادرة الأمريكية في نقاط كثيرة تؤدي في نهاية المطاف إلى بداية مسار سياسي ينتهي بحل الأزمة".