سرت.. هل تعيد المبادرة الأمريكية رسم الجغرافيا الليبية؟ (خاص)
أعادت التحركات السياسية المرتبطة بمبادرة مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي إحياء واحدة من أكثر الأفكار إثارة للجدل في المشهد الليبي والمتمثلة في منح مدينة سرت دورا سياديا أكبر باستضافة مؤسسات الحكم (في حال التوافق على الحل الأمريكي)؟
يأتي هذا الطرح في وقت تتصاعد فيه النقاشات حول إعادة هيكلة السلطة ومؤسسات الدولة، ضمن مقاربات سياسية جديدة تتجاوز مجرد تنظيم الانتخابات نحو إعادة توزيع مراكز النفوذ والقرار جغرافيًا، بما يضمن استمرارية عمل السلطة التنفيذية الجديدة ويحد من تأثير الأصوات الرافضة لها التي قد تعطل مهامها داخل العاصمة طرابلس.
ورغم أن فكرة سرت كعاصمة بديلة ليست جديدة في الأدبيات السياسية الليبية فإنها تكتسب هذه المرة زخماً مختلفاً بفعل تزامنها مع حراك دولي تقوده واشنطن وسط حديث متزايد عن ترتيبات سياسية وأمنية جديدة قد تعيد رسم خريطة السلطة في البلاد.
ويكشف الجدل المتجدد حول سرت أن الأزمة الليبية لم تعد تقتصر على الخلاف حول الانتخابات أو المناصب السيادية بل امتدت إلى إعادة التفكير في شكل الدولة نفسها وآليات توزيع السلطة داخلها.
فبالنسبة لمؤيدي الفكرة تمثل سرت فرصة لبناء مركز سياسي يوفر بيئة أكثر استقراراً للمؤسسات الوطنية.
أما معارضوها فيرون أن نقل المؤسسات لن يكون كافياً لمعالجة جذور الأزمة المتمثلة في غياب التوافق السياسي واستمرار الصراع على النفوذ والموارد.
وبين هذين الاتجاهين تبدو سرت اليوم أكثر من مجرد مدينة وسط ليبيا حيث تحولت إلى رمز لسؤال أكبر يتعلق بمستقبل الدولة الليبية نفسها هل يكون الحل في إعادة رسم جغرافيا السلطة؟.
عقدة التوازن الوطني
يرى الباحث الأكاديمي الليبي محمد امطيريد أن منح سرت دوراً أكبر في المرحلة المقبلة لا يجب النظر إليه باعتباره منافسة لطرابلس أو بنغازي بل باعتباره استجابة لحاجة تفرضها حالة الانقسام.
ويقول امطيريد في تصريحات لـ"العين الإخبارية" إن الموقع الجغرافي لسرت يمنحها ميزة استثنائية فهي تمثل نقطة التقاء طبيعية بين أقاليم ليبيا الثلاثة، كما أنها باتت خلال السنوات الأخيرة أكثر جاهزية من الناحية اللوجستية والبنية التحتية لاستضافة مؤسسات سيادية وإدارية.
ويضيف أن حالة الاستقرار الأمني النسبي التي تعيشها المدينة مقارنة بمناطق أخرى تجعلها خياراً عملياً لتقليل تأثير التجاذبات السياسية والأمنية على عمل مؤسسات الدولة.
وبحسب امطيريد فإن الأزمات المتكررة التي شهدتها ليبيا منذ عام 2011 أظهرت الحاجة إلى بيئة مؤسساتية أكثر استقراراً تتيح للدولة العمل بعيداً عن الاستقطاب الحاد.
العاصمة ليست المشكلة
في المقابل يقلل عضو المجلس الأعلى للدولة الدكتور أحمد اهمومة من أهمية الجدل المرتبط بموقع العاصمة مقارنة بجوهر الأزمة الليبية.
ويقول في تصريح لـ"العين الإخبارية" إن "فكرة نقل مركز السلطة إلى سرت طُرحت منذ سنوات طويلة حتى قبل الانقسام المؤسسي الحالي باعتبارها مدينة تتوسط جغرافيا الشرق والغرب ويمكن أن تسهم في دمج المؤسسات".
لكنه يشير إلى أن التجربة التاريخية أثبتت أن موقع العاصمة ليس العامل الحاسم في بناء الدولة مستشهداً بمحاولات نظام العقيد الراحل معمر القذافي منح سرت ثقلاً سياسياً أكبر لكنها لم تنجح في إزاحة طرابلس عن مكانتها التاريخية والإدارية.
ويؤكد اهمومة أن القضية الأساسية تكمن في بناء نظام إدارة محلية فعال وتوزيع عادل للإيرادات والخدمات بين مختلف المناطق معتبراً أن نجاح هذا المسار سيجعل مسألة العاصمة قضية ثانوية لا تمس جوهر وحدة الدولة.
سند دستوري أم حل استثنائي؟
من جانبه يرى الخبير القانوني عبدالله الديباني أن النقاش حول تحويل سرت إلى مقر للسلطة لا يقتصر على البعد السياسي بل يمتلك مرتكزات قانونية ودستورية يمكن البناء عليها.
ويشير إلى أن التجربة الدستورية الليبية عرفت سابقاً مرونة في تحديد مركز السلطة إذ نص دستور عام 1951 بعد تعديله عام 1963 على وجود عاصمتين للدولة هما طرابلس وبنغازي وهو ما يعكس إمكانية تكييف مقر الحكم وفق متطلبات المرحلة.
ويؤكد الديباني أن السلطة التشريعية تمتلك صلاحيات إصدار تشريعات تنظم مقار عمل المؤسسات العامة كما أن مبدأ "الظروف الاستثنائية" المعمول به في القانون العام يتيح اتخاذ إجراءات غير تقليدية في أوقات الأزمات.
ويضيف أن استضافة سرت لاجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 خلال السنوات الماضية عززت صورتها كمنطقة محايدة نسبياً وقادرة على احتضان مؤسسات الدولة بعيداً عن الاستقطاب السياسي.
لماذا عادت الفكرة الآن؟
ويربط المحلل السياسي الليبي عمرو بواسعيدة عودة الحديث عن سرت بالزخم الذي أوجدته المبادرة الأمريكية الأخيرة ويقول في تصريحه لـ"العين الإخبارية" إن الفارق هذه المرة لا يتعلق بالفكرة ذاتها بل بالسياق السياسي الذي تُطرح فيه مشيراً إلى أن المبادرة الأمريكية تمثل محاولة إعادة هندسة بنية السلطة الليبية.
وبحسب بواسعيدة فإن إعادة طرح الملف في هذا التوقيت تحمل رسالة بأن واشنطن تسعى إلى تسوية هيكلية طويلة الأمد وليس مجرد إنتاج تفاهمات مؤقتة بين الأطراف المتصارعة.