الإمارات وأزمة أوكرانيا.. «أرض السلام» ترسم ملامح حل أكبر صراع أوروبي
جولة ثانية من المحادثات الروسية-الأوكرانية-الأمريكية تستضيفها أبوظبي تتويجا لجهودها الحثيثة لإنهاء إحدى أكثر الأزمات الدولية تعقيدا.
وتأتي استضافة الإمارات الجولة الجديدة من المحادثات الثلاثية ضمن حراكها الداعم للسلام في العالم وحل الأزمات بالدبلوماسية والحوار.
جهود تتواصل بالتعاون مع الولايات المتحدة سعيا لإنهاء أكبر صراع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
وباستضافتها المحادثات، تؤكد الإمارات مجددا أنها لم تكن فقط مجرد وسيط محايد، بل صانعة فرص سلام، لتثبت أن الدبلوماسية النابضة بالإنسانية قادرة على اختراق جدران الحرب.
الجولة الثانية
بدأت الأربعاء في أبوظبي الجولة الثانية من المحادثات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة التي تتواصل على مدار يومين، في إطار الجهود الدبلوماسية الرامية إلى الدفع بالمسار السياسي للأزمة.
وأكدت وزارة الخارجية الإماراتية، في بيان، أن استضافة دولة الإمارات لهذه الجولة تحمل عددا من الدلالات أبرزها:
- تعكس علاقات الإمارات الراسخة والمتوازنة مع الأطراف الثلاثة.
- تجسد الثقة الدولية بدور الإمارات في تيسير الحوار.
- الثقة الدولية بقدرة الإمارات على توفير بيئة داعمة للمحادثات البنّاءة التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
- حرص دولة الإمارات على دعم الجهود الدولية الهادفة إلى التوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام، بما يعزز فرص السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
وأشارت وزارة الخارجية الإماراتية إلى أن انطلاق الجولة الثانية يعكس حرص الأطراف المعنية بالمسار الدبلوماسي، معربة عن أملها في أن تسهم هذه الجولة في البناء على ما تحقق خلال الجولة الأولى، بما يدعم التقدم نحو تفاهمات أوسع.

محادثات تاريخية.. ورسائل خالدة
وكانت دولة الإمارات قد استضافت الجولة الأولى من المحادثات يومي 23 و24 يناير/كانون الثاني الماضي، والتقى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، رؤساء الوفود المشاركة في المحادثات الثلاثية.
ووجه خلال اللقاء عددا من الرسائل المهمة أبرزها:
- التأكيد على نهج دولة الإمارات الثابت القائم على تشجيع الحوار البنّاء .
- دعم الإمارات كل ما من شأنه تعزيز الحلول الدبلوماسية لمختلف الأزمات والنزاعات.
- دعم دولة الإمارات كل المساعي والمبادرات الهادفة إلى إيجاد تسوية للأزمة الأوكرانية لمصلحة جميع الأطراف وبما يعزز أسباب السلام والاستقرار في العالم.
ووصفت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت المحادثات حول أوكرانيا التي عقدت في أبوظبي بأنها "تاريخية".
بدوره أشاد المبعوث الروسي للتعاون الاقتصادي والاستثماري الدولي كيريل دميترييف، بالدور الإماراتي الداعم للسلام.
وصرح دميترييف، عقب لقائه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، بأن العالم أجمع يُعجب بجهود دولة الإمارات في حفظ السلام.
وكتب دميترييف على منصة "إكس" للتواصل الاجتماعي قائلا: "أُقدّر كثيراً لقائي مع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات. العالم أجمع يُعجب بقصة نجاح دولة الإمارات وجهودها في حفظ السلام".

آمال وتحديات
وتبقي الإمارات من خلال استضافتها المحادثات الثلاثية، نافذة أمل لحل الأزمة، التي يتطلع العالم لإنهائها مع اقتراب ذكرى مرور 4 أعوام على اندلاعها.
وخلال الفترة الماضية، اتسمت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتفاؤل، حيث قال إن إنهاء الحرب المستمرة منذ أربع سنوات بات وشيكا، إلا أن موسكو وكييف خففتا من التوقعات، وقللتا من احتمالية تحقيق انفراجة فورية.
ولا يزال الطريق إلى السلام معقدًا، في ظل استمرار روسيا في الضغط على أوكرانيا بمطالبها الإقليمية، وفقا لما ذكرته صحيفة "الغارديان" البريطانية.
ودائما ما أكدت روسيا أن أي اتفاق سلام يتطلب تنازل أوكرانيا عن منطقة دونباس الشرقية بأكملها، بما في ذلك المناطق التي لا تزال تحت سيطرة كييف التي رفضت هذه الشروط.
ومع ذلك أعرب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن استعداده للنظر في ترتيبات بديلة، بما في ذلك سحب القوات الأوكرانية من أجزاء من الشرق وإنشاء منطقة منزوعة السلاح.
ويمارس المسؤولون الأمريكيون ضغوطًا على أوكرانيا للتخلي عن دونباس، مع الوعد بتقديم ضمانات أمنية مشروطة بموافقة كييف أولًا على تنازلات إقليمية، وفق صحيفة "الغارديان".
وبالتزامن مع انطلاق الجولة الثانية من المحادثات، جدد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف التأكيد على استعداد روسيا للتسوية السلمية في أوكرانيا، إلا أنه أشار إلى استمرار العملية العسكرية الروسية حتى قبول كييف السلام.
وقال: "تواصل روسيا عمليتها العسكرية الخاصة إلى حين اتخاذ كييف قرار التسوية.. الأبواب مفتوحة أمام الحل السلمي ومتمسكون بالسلام".
بصمات إماراتية
ومنذ اندلاع الأزمة الأوكرانية في فبراير/شباط 2022، تقود دولة الإمارات جهودًا سياسية ودبلوماسية لخفض التصعيد والدفع بحل عقلاني وسلمي واقعي، يستند إلى قواعد القانون الدولي ويقضي باحترام سيادة الدول.
جهود قادها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات بنفسه، حيث أجرى مباحثات عدة بشأن الأزمة مع زعيمي البلدين، إضافة إلى جهود الدبلوماسية الإماراتية ممثلة في وزارة الخارجية، تبرز إصرار الإمارات على حل أزمة طال أمدها.
وتوجت تلك الجهود بنجاح الإمارات في إبرام 17 وساطة لتبادل الأسرى منذ مطلع عام 2024، كان أحدثها في 24 أغسطس/آب الماضي، تم بموجبها إطلاق 4592 أسيرا، وهو رقم كبير يجسد إنجازا دبلوماسيا وإنسانيا غير مسبوق في أزمة تشهد تصعيدا متواصلا بين طرفيها.
جهود دبلوماسية قوبلت بتقدير وإشادة دولية، ولا سيما من طرفي الأزمة، حيث وجه الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فولوديمير زيلينسكي الشكر للشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أكثر من مرة على وساطات وجهود بلاده لحل الأزمة.
وأعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء جمعه برئيس دولة الإمارات في روسيا 29 يناير/كانون الثاني الماضي عن شكره وتقديره لاستضافة دولة الإمارات المحادثات الثلاثية، كما شكره على مواصلة دولة الإمارات جهود الوساطة التي تقوم بها وتسفر عن نجاح تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا.