غضب البريطانيين يدفع نايجل فاراج نحو حلم «داونينغ ستريت»
لسنوات طويلة، سعت الأحزاب المناهضة لأوروبا التي يتزعمها نايجل فاراج إلى تغيير مسار بريطانيا، مستخدمة خطابًا قوميًا ومعاديًا للهجرة لقيادة حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست".
لكن حتى عام 2024، لم يُنتخب فاراج قط عضوًا في البرلمان، وظلت حركته على الهامش، غير قادرة على إزاحة الحزبين الكبيرين في بريطانيا، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.
لكن ذلك كله يتغير الآن.
ففي آلاف الانتخابات الخاصة بالمجالس المحلية في أنحاء إنجلترا يوم 7 مايو/أيار الجاري، تمكن حزب "ريفورم يو كيه" بقيادة فاراج من تجاوز حزب المحافظين، المرتبط بإرث المرأة الحديدية مارغريت تاتشر، وانتزع السيطرة على مجالس محلية من حزب العمال بزعامة رئيس الوزراء كير ستارمر، ليصبح، بحسب كثيرين، القوة السياسية الأكثر نجاحًا في البلاد.
وخلال 15 ساعة فقط من يوم الانتخابات، فاز الحزب بـ1454 مقعدًا في المجالس المحلية، كما حقق تقدمًا في برلماني اسكتلندا وويلز، وبات فاراج الآن يقود حزبًا وطنيًا لديه طموحات واقعية للسيطرة على البرلمان في الانتخابات العامة المقبلة التي يجب إجراؤها بحلول عام 2029، ما قد يجعله رئيس الوزراء القادم لبريطانيا.
وقال فاراج متباهيا في 8 مايو/أيار الجاري: "لقد قمنا باحترافية الحزب"، واصفًا نتائج الانتخابات بأنها "يوم كبير جدًا ليس فقط لحزبنا، بل لإعادة تشكيل السياسة البريطانية بالكامل".
ورغم ذلك، يعترف حتى المقربون من الحزب بأن هناك تحديات كبيرة تنتظرهم. فكثيرًا ما يُتهم قادة الحزب بإجادة الشعارات الإعلامية أكثر من صياغة سياسات حقيقية. كما لم يحقق الحزب اختراقات كبيرة في المدن البريطانية الكبرى مثل لندن.
وسبق أن اتُهم فاراج بمخالفة قواعد البرلمان بعدم الإفصاح عن هدية تبلغ قيمتها نحو 6.7 مليون دولار من الملياردير المتخصص في العملات المشفرة كريستوفر هاربورن المقيم في تايلاند، والذي قدم أيضًا نحو 12.1 مليون دولار لحزب "ريفورم يو كيه".
وقال فاراج إن مبلغ الـ6.7 مليون دولار تم منحه قبل أن يصبح مرشحًا للبرلمان.
من جهته، قال بن حبيب، وهو مسؤول سابق بارز في الحزب انشق عن فاراج عام 2024: "حتى الآن، لم يقدم الحزب رؤية سياسية متماسكة للبلاد". وأضاف أن الحزب بحاجة للعمل بجدية أكبر لإقناع الناس بقدرته على الحكم إذا أراد الفوز بمزيد من الانتخابات، موضحًا: "لا يمكنهم الافتراض ببساطة أن الحزبين الآخرين سيخسران".
وفي الانتخابات المحلية الأخيرة، فاز مرشحو الحزب غالبًا لأنهم تنافسوا ضد عدة أحزاب أخرى. وبشكل عام، حصل الحزب على نحو 26% فقط من الأصوات، أي أقل قليلًا من توقعات استطلاعات الرأي، فيما صوّت نحو ثلاثة أرباع الناخبين لأحزاب أخرى.
كما يظل السؤال مطروحًا بشأن مدى استعداد البريطانيين للانجراف نحو اليمين مع فاراج.
وتعد معارضة الهجرة محور برنامج حزب فاراج السياسي، ويشير نجاحه الأخير إلى أن هذا الخطاب يلقى صدى لدى كثير من الناخبين.
وغالبًا ما تُصنف قضية المهاجرين كثاني أكبر مصدر قلق للبريطانيين بعد ارتفاع تكاليف المعيشة، رغم انخفاض معدلات الهجرة بشكل حاد في عهد حكومة ستارمر.
لكن فاراج، الذي تعهد بترحيل جميع المهاجرين غير الشرعيين، يظل شخصية مثيرة للانقسام. ففي أحد استطلاعات الرأي، وصفه ثلث البريطانيين بأنه مرشح "من تيار أقصى اليمين"، ويرى بعض حلفائه أن ذلك قد يعرقل توسيع قاعدة الحزب بما يكفي للفوز بالسلطة.
وقال تيم مونتغمري، المستشار السابق لرئيس الوزراء المحافظ بوريس جونسون، والذي انضم لاحقًا إلى حزب فاراج: "علينا أن نفعل شيئًا لطمأنة البريطانيين المعتدلين بأننا لسنا نازيين".
وأضاف أن الحزب يحتاج أيضًا إلى استثمار غضب الناخبين من السياسيين التقليديين، مشيرًا إلى حادثة قام فيها رجل بريطاني بمقاطعة وزيرة المالية راشيل ريفز مرارًا بسبب الضرائب وارتفاع الأسعار خلال ظهور إعلامي.
وقال مونتغمري: "حزب ريفورم نجح في التقاط حالة الغضب في البلاد. الغضب هائل وخارج عن المألوف. الناس يشعرون بأن الحكومة لا تدرك مدى صعوبة حياتهم".
وسيكون الاختبار المقبل للحزب خلال أسابيع، عندما يسعى عمدة مانشستر الكبرى العمالي آندي بورنهام للفوز بانتخابات فرعية في دائرة "ميكرفيلد" لدخول البرلمان، وهو شرط ضروري لتمكنه من منافسة ستارمر على قيادة حزب العمال.
وقد تعهد فاراج ببذل كل ما يستطيع لهزيمة بورنهام وإحراج حزب العمال.
وتعد "ميكرفيلد" منطقة عمالية بين ليفربول ومانشستر، ويتمتع بورنهام بشعبية كبيرة فيها. لكن حزب "ريفورم" اكتسح مرشحي العمال هناك في انتخابات مايو/أيار، ففاز بجميع الدوائر الثماني تقريبًا وبفارق كبير في الأصوات.
في الوقت نفسه، بدأ فاراج أيضًا تشكيل فريق مستشارين قد يشكلون حكومته في حال أصبح رئيسًا للوزراء. فقد عين روبرت جينريك، النائب المحافظ السابق الذي انضم للحزب في يناير/كانون الثاني، وزيرًا للمالية في حكومة الظل.
كما جرى تعيين المتبرع المحافظ ريتشارد تايس وزيرًا للطاقة في حكومة الظل، وسويلا برافرمان، وزيرة الداخلية المحافظة السابقة التي انضمت للحزب أيضًا، وزيرةً للتعليم في حكومة الظل.
ويبقى التحدي الآن ما إذا كان فاراج وفريقه قادرين على استثمار الزخم السياسي للحزب استعدادًا للانتخابات العامة المقبلة.