أمريكا والصين.. شراكة اضطرارية تحت سقف الصراع
لم تعد العلاقة بين أمريكا والصين قائمة على فكرة الهيمنة المطلقة أو الإقصاء الكامل، بل دخلت مرحلة جديدة من التنافس المحكوم بتوازنات القوة والمصالح المتشابكة، وسط سباق محتدم على النفوذ العسكري والتكنولوجي والاقتصادي.
فبعد سنوات من الحروب التجارية، والقيود التكنولوجية، والتوترات العسكرية، بدأت واشنطن وبكين تدركان أن أياً منهما لا يستطيع إخضاع الآخر أو منعه من لعب دور عالمي مؤثر، بحسب مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية.
وترى المجلة أن زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة إلى الصين كانت رمزًا لهذا التحول، حيث أظهرت قبولًا ضمنيًا بالواقع الجديد الذي تتقاسم فيه القوتان النفوذ العالمي دون أن تتمكن إحداهما من القضاء على الأخرى.
لكن هذا الوضع لا يعني المصالحة بل يعني نشوء نظام عالمي جديد يشبه "مجموعة ثنائية" غير رسمية، حيث تبقى المنافسة قائمة لكن ضمن حدود تمنع الانفجار الكامل.
فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأولى عالميًا، إلا أنها لم تعد قادرة على فرض سيطرتها المطلقة في غرب المحيط الهادئ بسبب تنامي القدرات الصينية.
وفي المقابل، أصبحت الصين قادرة على تحدي النفوذ الأمريكي لكنها غير قادرة على طرد الولايات المتحدة من المنطقة أو استبدالها كليًا.
وقد يشبه هذا الوضع مرحلة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، حيث كان الاستقرار قائمًا على مبدأ "الدمار النووي المتبادل" إلا أن العلاقة الأمريكية الصينية تختلف لأن الطرفين مترابطان اقتصاديًا وتكنولوجيًا بشكل عميق، رغم محاولات فك الارتباط.
فالولايات المتحدة والصين جزء من الاقتصاد العالمي نفسه، وسلاسل الإمداد ذاتها، والشبكات المالية والتكنولوجية المشتركة، مما يجعل الصراع بينهما مختلفًا وأكثر تعقيدًا.
وخلال العقد الماضي، اعتقدت الولايات المتحدة أنها تستطيع احتواء صعود الصين عبر الرسوم الجمركية، وقيود التكنولوجيا، ومنع الاستثمارات، وتحويل سلاسل التوريد بعيدًا عن الصين وفي المقابل، ازداد اقتناع بكين بأن ميزان القوة العالمي يتحول لصالحها، وأن الغرب، يعيش مرحلة تراجع سياسي ومؤسسي لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن الطرفين بالغا في تقدير قدرتهما على الانتصار الحاسم.
فالصين أثبتت أن القيود الأمريكية غير قادرة على منعها من التطور السريع حيث حققت تقدمًا كبيرًا في مجالات الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والتصنيع المتقدم، والتكنولوجيا العسكرية ونافس نموذج الذكاء الاصطناعي الصيني "ديب سيك" النماذج الأمريكية بتكلفة أقل.
وفي الوقت نفسه، لا تزال الولايات المتحدة تملك عناصر قوة ضخمة، مثل التفوق المالي، والجامعات الرائدة، وأسواق المال، والشركات العملاقة مثل "نيفيدا" التي بلغت قيمتها السوقية مستويات هائلة تفوق اقتصاد دول كبرى.
ويطرح التحليل مفهومين جديدين يحكمان العلاقة بين الولايات المتحدة والصين هما "المنع المتبادل للهيمنة" و"المنع المتبادل للإقصاء".
ففي المجال العسكري، لم تعد الولايات المتحدة قادرة على العمل بحرية كاملة قرب الصين، خاصة حول تايوان وسلسلة الجزر الأولى الممتدة من اليابان إلى بحر الصين الجنوبي حيث طورت بكين قدرات صاروخية وبحرية وجوية تجعل أي تدخل أمريكي مكلفًا وخطيرًا.
ومع ذلك، لا تزال بكين عاجزة عن فرض سيطرة كاملة على المنطقة أو إخراج القوات الأمريكية منها، مما يعني أن كل طرف يستطيع عرقلة الآخر دون أن يحقق سيطرة مطلقة.
أما اقتصاديًا وتكنولوجيًا، فالوضع مشابه حيث تستطيع الولايات المتحدة فرض قيود على الشركات الصينية ومنع وصول بعض التقنيات المتقدمة إليها، لكنها لا تستطيع إخراج الصين من الاقتصاد العالمي أو وقف تطورها التكنولوجي بالكامل.
وفي المقابل، تملك الصين أدوات ضغط قوية مثل المعادن النادرة والطاقة التصنيعية الضخمة، لكنها لا تستطيع استبعاد الولايات المتحدة من الاقتصاد الآسيوي أو العالمي دون أن تتضرر هي نفسها بشدة.
ويضرب التحليل مثالًا بقيود أشباه الموصلات التي فرضتها واشنطن على الصين عام 2022، والتي نجحت في إبطاء وصول بكين إلى بعض التقنيات المتقدمة، لكنها دفعت الشركات الصينية في الوقت نفسه إلى تسريع تطوير بدائل محلية.
وبالمثل عندما قيدت الصين صادرات المعادن النادرة بعد الرسوم الأمريكية عام 2025، فقد أضرت مؤقتًا بسلاسل التوريد الأمريكية لكنها حفزت واشنطن وحلفاءها على البحث عن مصادر بديلة.
وتمثل قضية تايوان الاختبار الأصعب لهذا التعايش التنافسي، فبالنسبة للصين، تعد الجزيرة جزءًا من السيادة الوطنية والهوية التاريخية الصينية، بينما تراها الولايات المتحدة اختبارًا لمصداقيتها الأمنية في آسيا، كما أن تايوان تحتل موقعًا محوريًا في صناعة أشباه الموصلات العالمية، مما يجعل أي أزمة حولها تهديدًا للاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
وتؤدي السياسة الداخلية لتايوان إلى المزيد من التعقيدات، إذ تختلف القوى السياسية هناك بشأن العلاقة مع الصين. فبعض القيادات تتبنى خطابًا متشددًا تجاه بكين، بينما يدعو آخرون إلى التقارب معها، ما يجعل التوترات مرتبطة أحيانًا بالوضع السياسي الداخلي في الجزيرة وليس فقط بالصراع الدولي.
ومن أجل تجنب الحرب، يتعين على واشنطن وبكين تقديم "طمأنة استراتيجية" متبادلة، بحيث تؤكد الولايات المتحدة أنها لا تدعم استقلال تايوان رسميًا، مقابل تقليل الصين ضغوطها العسكرية والتأكيد على الحلول السلمية فالهدف ليس حل القضية نهائيًا، بل إدارة الصراع ومنع تحوله إلى مواجهة عسكرية كارثية.
وتؤكد "فورين أفيرز" أن زيارة ترامب للصين لم تخلق هذا الواقع الجديد لكنها عبرت عنه بوضوح حيث تعامل الرئيس الأمريكي مع نظيره الصيني شي جين بينغ باعتباره قائد دولة بمثابة "ند" للولايات المتحدة، كما ركز على التفاوض والاستقرار بدل المواجهة.