بـ«مدينة المقاتلات».. واشنطن تعيد رسم خريطة تفوقها الجوي
في خطوة تعكس التحول المتسارع في أولويات الدفاع الأمريكية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، شرع سلاح الجو الأمريكي في تنفيذ برنامج تحديث وتوسعة واسع النطاق في قاعدة إلمندورف-ريتشاردسون المشتركة بولاية ألاسكا
المشروع الذي يهدف -وفقا لمجلة مليتري ووتش-، إلى تحويل قاعدة إلمندورف-ريتشاردسون المشتركة لمركز رئيسي لعمليات المقاتلات المتقدمة والتدريب القتالي واسع النطاق، يشمل:
- استبدال البنية التحتية القديمة التي يعود تاريخها إلى خمسينيات القرن الماضي بحظائر طائرات حديثة
- منشآت متطورة للصيانة والعمليات والتدريب
- مرافق دعم جديدة قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من المقاتلات المتطورة لعقود مقبلة.
وبرز المشروع إلى الواجهة خلال جلسة استماع للجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ في ربيع 2026، عندما روّج السيناتور دان سوليفان لمبادرة "إعادة تأهيل مدينة المقاتلات" في القاعدة، وهي الخطة التي أدرجتها الإدارة الأمريكية ضمن طلب ميزانية الدفاع باستثمارات تتراوح بين 6.9 و7 مليارات دولار، ما يجعلها من أكبر مشروعات البنية التحتية العسكرية في تاريخ ألاسكا.
ويستند المشروع إلى الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للولاية، التي تضم بالفعل واحدة من أكبر تجمعات مقاتلات الجيل الخامس في العالم، بما في ذلك طائرات "إف-22" و"إف-35".

وتوفر هذه القدرات، إلى جانب مجمع ألاسكا المشترك للتدريب على القتال الجوي في المحيط الهادئ، بيئة فريدة لإجراء تدريبات قتالية متقدمة تحاكي سيناريوهات الحرب الحديثة، مع إمكانية الانتشار السريع في مسرحي العمليات بالقطب الشمالي والمحيط الهادئ.
وفي هذا السياق، يمثل توسيع مجمع التدريب الجوي أحد المحاور الأساسية للخطة الأمريكية، إذ تسعى القوات الجوية إلى زيادة مساحة المجال الجوي المخصص للتدريب، بما يسمح بإجراء مناورات أكثر تعقيدًا وواقعية تشارك فيها مقاتلات الجيل الخامس وطائرات التزود بالوقود والقاذفات الاستراتيجية والطائرات المسيّرة، فضلاً عن قوات جوية حليفة.
وتستهدف هذه التدريبات محاكاة بيئة القتال المحتملة في منطقة المحيط الهادئ، التي باتت تُعد المسرح الرئيسي للمنافسة العسكرية بين واشنطن وبكين.

يأتي هذا التوجه في إطار استراتيجية أمريكية أوسع لتعزيز الحضور العسكري في القطب الشمالي ومنطقة آسيا-المحيط الهادئ، حيث تؤدي القواعد الجوية في ألاسكا دورًا مزدوجًا يتمثل في دعم الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة وتعزيز قدرات الدفاع الجوي الوطني.
وقد ازدادت أهمية هذا الدور في ظل تصاعد النشاط العسكري الروسي بالقرب من المجال الجوي لألاسكا، إلى جانب التحركات الصينية المتنامية في المنطقة، والتي تجلت عام 2024 من خلال أول دورية قاذفات صينية بالقرب من الإقليم باستخدام قاذفات "إتش-6" انطلقت من قواعد داخل الأراضي الروسية.
وتتابع واشنطن عن كثب التطورات المتسارعة في برامج الطيران العسكري لدى كل من الصين وروسيا، وهما الدولتان الوحيدتان حاليًا اللتان تواصلان إنتاج القاذفات الاستراتيجية على نطاق واسع.
كما تتجه الأنظار بشكل خاص إلى الصين، التي يُتوقع أن تبدأ نشر أول قاذفة شبحية عابرة للقارات مطلع ثلاثينيات القرن الحالي، بعد ظهورها لأول مرة خلال اختبارات الطيران في أواخر عام 2025.
وفي الوقت ذاته، تتزايد التساؤلات داخل الأوساط العسكرية والاستراتيجية الأمريكية بشأن قدرة واشنطن على الحفاظ على تفوقها الجوي طويل الأمد في مواجهة الصين.
فبينما تمتلك الولايات المتحدة الجزء الأكبر من مقاتلاتها الأكثر تطورًا في منطقة المحيط الهادئ، حققت بكين تقدمًا ملحوظًا في برامج الجيل السادس من الطائرات المقاتلة، لتصبح الدولة الوحيدة التي وصلت بهذه البرامج إلى مرحلة اختبارات الطيران الفعلية.

وتشير تقديرات متزايدة إلى أن الصين قد تدخل مقاتلتين جديدتين من الجيل السادس إلى الخدمة خلال أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، في حين يُرجح أن يتأخر دخول المقاتلة الأمريكية المستقبلية "إف-47" إلى الخدمة حتى أربعينيات القرن.
كما تواجه برامج تطوير مقاتلات "إف-35" الأمريكية تحديات تقنية وزمنية متواصلة، بعدما أدى التأخير في تحديثها إلى معيار "بلوك 4" إلى تأجيل تحقيق قدراتها التشغيلية الكاملة لعدة سنوات إضافية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو "مدينة المقاتلات" في ألاسكا أكثر من مجرد مشروع بنية تحتية عسكرية؛ إذ تمثل جزءًا من استراتيجية أمريكية أوسع لإعادة تموضع القوة الجوية في مواجهة التحديات المتصاعدة التي تفرضها المنافسة العسكرية مع الصين، وتأمين موطئ قدم متقدم في واحدة من أكثر المناطق حساسية في المشهد الجيوسياسي العالمي.