لم يكن عام 2025 سهلًا في الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصًا مع الرئيس دونالد ترامب، الذي جاء بولاية ثانية، والتي كانت غير متتالية، ليكون الرئيس السابع والأربعين بعد أن كان الخامس والأربعين في ولايته الأولى من 2017-2021.
وعلى أنَّ شخصية ترامب فريدة من نوعها، فإن المستجدات في الداخل الأمريكي أخذت هذا الطابع أيضًا، وذلك بمختلف الملفات على المستويين المحلي والفيدرالي. والسؤالان المهمّان هما: إلى أين ستتجه الأحداث في الداخل الأمريكي، وما تداعياتها على السياسة الخارجية الأمريكية؟
ثمّة أحداث شهدها الداخل الأمريكي كانت بمثابة مؤشّر مهم حول التغير في مزاج الشارع الأمريكي. على رأس هذه الأحداث كان فوز المرشح الديمقراطي الاشتراكي، زهران ممداني، بمنصب عمدة مدينة نيويورك، ليكون أول مسلم يشغل هذا المنصب.
فمع توجهاته اليسارية الاشتراكية، عكس ممداني التحول الحاصل في الساحة السياسية الأمريكية، وذلك مع صعود الأجيال الجديدة -ولاسيما جيل زد- الذي بات صوته مسموعًا ومؤثّرًا في صناعة القرار السياسي ومن سيكون فيه.
هذا الجيل يحمل توجّهات تقدمية متمثلة بالتمسك بقضايا الحرية بكل أنواعها، والمساواة العرقية، ودعم قضايا البيئة والمناخ، والقضايا الإنسانية الدولية، وقضايا الاقتصاد الآني.
الأدوات الأساسية التي يستخدمها هذا الجيل للضغط في القضايا التي ينادي بها هي شبكات التواصل الاجتماعي، مع العلم بأن هذه الشبكات متغيرة، ناهيك أن هذا الجيل استحدث أسلوبًا لغويًّا خاصًّا به.
والمثير في نيويورك، المحسوبة أساسًا على الحزب الديمقراطي، أن كونها أغنى مدينة في الولايات المتحدة من حيث الناتج المحلي الإجمالي بواقع 1.8 تريليون دولار عام 2024 والمتوقع أن يزداد مع الإعلان عن أرقام 2025 بداية عام 2026، فإن المقاربة الاشتراكية لممداني من المُحتمل أن يكون لها تداعيات على اقتصاد المدينة، والذي قد يُؤثر في المحصّلة على الاقتصاد الكلي الأمريكي.
وعلاوة على ذلك، فمع مقاربة ترامب المعززة للاقتصاد القومي، والداعمة للسياسات الحمائية بعيدًا عن العولمة، فلا شكّ أن الصدام الرأسمالي-الاشتراكي سيكون مُلاحظًا في الداخل الأمريكي، والذي قد يؤثر بصورة أو أخرى على إجمالي الناتج المحلي لعام 2026.
هذا الأمر لا يعني أننا سنشهد اقصادًا اشتراكيًّا بحتًا في نيويورك، وإنما سنشهد بعض جوانبه، والذي من المنطق أنه سيكون مُكلفًا مع تحمل الحكومة المحلية للأعباء التي تحدّث عنها ممداني في برنامجه الانتخابي. وبحكم تكاملية الاقتصاد المحلي والفيدرالي، فإن ذلك سيمثل تحدّيًا للبيت الأبيض في إدارة ملف حربه الاقتصادية على الصعيد الدولي خصوصًا مع الصين.
ومن ناحية أخرى، فإن الجهود التي بدأت في عام 2025 استعدادًا لمعركة الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني 2026 كانت جلية، وانتقادات الطرفين كانت في أوجها، والمساعي لإعادة تعريف الخريطة الانتخابية، إضافة إلى التطلعات لإلغاء التصويت عبر البريد، كلها تدلل على أننا سنشهد عامًا مليئًا بالاستقطاب السياسي.
ولعلّ المهمّ في الانتخابات التي سنشهدها أنها ستحدد معالم الكونغرس من ناحية أي الحزبين سيسيطر على أغلبية المجلسين (الشيوخ والنواب)، علمًا بأن الحزب الجمهوري يحظى في الوقت الحالي بأغلبية المجلسين. بالنسبة لمجلس النواب فسيشهد انتخابات جميع أعضائه البالغين 435، وذلك بحكم مدة العضوية البالغة سنتين، حيث أن الانتخابات الأخيرة كانت في 2024.
أما مجلس الشيوخ الذي يبلغ عدد مقاعده 100 فستكون الانتخابات فيه على ثلث الأعضاء، لأن مدة العضوية هي 6 سنوات، حيث إن التنافس سيكون على المقاعد التي انتهت ولايتها، والتي تبلغ 33 مقعدًأ.
في الوقت الحالي يملك الجمهوريون 53 مقعدًا في مجلس الشيوخ مقابل 47 للديمقراطيين، المنافسة بالنسبة للديمقراطيين ستكون نوعًا ما أصعب، بحكم أنهم يدافعون عن أربعة مقاعد، وسيحتاجون إلى الفوز بأربعة مقاعد إضافية أخرى للحصول على الأغلبية.
أما الحزب الجمهوري، فهناك مقعدين تنافاسيين يراهنون عليهما لضمان استمرارية أغلبيتهم. الولايات الحاسمة ستكون مين، وكارولاينا الشمالية، وجورجيا، ونيوهامبشير، وميشيغان، ومينيسوتا. الأمر المثير في هذه الانتخابات هو تصريحات الرئيس ترامب التي أدلى بها، حيث قال إنه لا يستبعد أن يخسر الجمهوريون أغلبية المجلسين، وذلك بحكم التحديات الاقتصادية التي تواجهها بلاده.
وفي الوقت نفسه، فإن مقاربة ترامب الاقتصادية على الصعيد الدولي شهدت إعادة تعريف العلاقات الاقتصادية لواشنطن، ومن المحتمل أن نتائجها الإيجابية - التي بدأنا نشهد إرهاصاتها عبر إعلان وزارة التجارة الأمريكية التي أعلنت ارتفاع إجمالي الناتج المحلي في الربع الثالث لـ2025 بنسبة 4.3%- أن تلعب دورًا مهمًّا في خطاب المرشحين الجمهوريين لكسب تأييد الناخبين.
وفي الوقت نفسه لا يمكن أن ننسى الإغلاق الحكومي الذي حصل في 2025 والذي عُدَّ الأطول في تاريخ الولايات المتحدة، ولا يُستبعد أن يكون له أثر سلبي في رأي الشارع الأمريكي، خصوصًا مع التأثير الاقتصادي المباشر الذي شعر به الموظفون الحكوميون، والذين لهم تأثير على توجهات الناخب الأمريكي.
ويمكن القول بأن مآلات هذه الانتخابات على سلوك واشنطن الخارجي؛ سيكون متصل بطريقة عمل اللجان المعنية بالشؤون الخارجية في الكونغرس، ناهيك أنها ستؤثر على قرارات المجلسين فيما يتعلق بالمشروعات المتصلة بالسياسة الخارجية الأمريكية.
ومن زاوية أخرى؛ فإن ملف الإخوان المسلمين سيحظى باهتمام على المستويين المحلي والفيدرالي بشكل أكبر، وهو الأمر الذي كان واضحًا من 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 مع الأمر التنفيذي الذي وجه فيه ترامب وزيري الخارجية والخزانة لإعداد تقرير حول خطر الإخوان خلال 30 يومًا، واتخاذ الإجراءات بعدها خلال 45 يومًا، أي أننا سنشهد تطورات في هذا الملف في شهر يناير/كانون الثاني أو فبراير/شباط من 2026.
إلى جانب ذلك اتخذت بعض الولايات قرارات بتصنيف الجماعة منظمةً إرهابية، وعلى رأسها فلوريدا وتيكساس. ناهيك عن أن لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب أقرّت مشروع قانون يُلزم الرئيس الأمريكي بتصنيف الجماعة منظمةً إرهابية، إلا أن هذا المشروع سيتطلب تصويتًا في مجلس النواب، وفي حال إقراراه سيذهب لجلسة تصويت أخرى في مجلس الشيوخ.
وفي حال تمريره في المجلسين، سيذهب لمكتب الرئيس للتصديق عليه. وفي حال تمّ بالفعل تصنيف الجماعة سواء بأفرعها أو بشكل كامل في حال حدوث أي تغيير، فذلك سيؤدي إلى فرض قيود على الشبكات التي تمولهم، وستُفرضُ قيودٌ على تأشيراتهم وتحركاتهم داخل وخارج الولايات المتحدة.
هذا الأمر من شأنه أن يؤدي إلى إحداث تحوّل نوعي في تعامل المجتمع الدولي مع هذا التنظيم، وذلك من منطلق إخماد خطر الإسلاموية التي كانت السبب الرئيسي في الكثير من الأنشطة الإرهابية في مختلف أقاليم العالم. فمعظم الجماعات الإرهابية التي اتخذت الدين الإسلامي "بشكل خاطئ" منطلقًا في تحركاتها؛ مرتبطة بالأفكار المتطرفة التي جاء بها رواد تنظيم الإخوان المسلمين.
لذا فإن التطورات في هذا الملف أمريكيًّا ستكون نتائجها واضحة في تعامل المجتمع الدولي مع هذا الملف أيضًا، وذلك بالنظر إلى النفوذ والتأثير اللذين تحظى بهما الولايات المتحدة مع حلفائها وشركائها وأصدقائها في العالم.
وفي المحصّلة، فإن ارتدادات الملفات الداخلية في الولايات المتحدة ستكون على الخارج، سواء من الناحية الاقتصادية، أو السياسية، أو الأمنية، فواشنطن لازالت تملك الكثير من الأوراق الموجِهة للأزمات الدولية، وتأثيرها يأتي من منطلق مكانتها الفريدة في النظام الدولي نظرًا لما تملكه من أدوات القوة الصلبة والناعمة؛ اللتين تعدّان المحدّدتين الرئيسيّتين في توجيه مختلف دول العالم في طريقة التعامل معها.
وعلى كلٍّ فإنَّ التطورات في عام 2026 ستكون مثيرة ومفاجئة، والمصالح الدولية على الأغلب أنها ستتحوّل وستتبدّل بناء على المعطيات التي ستبرز في الساحة السياسية الأمريكية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة