تداعيات حرب إيران.. سيناريو «كارثي» للطاقة يهدد العالم
تتزايد المخاوف الدولية من تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، لا سيما على أسواق الطاقة العالمية، في ظل احتمالية انقطاع الإمدادات النفطية القادمة من منطقة الشرق الأوسط خلال الأشهر المقبلة.
وأشارت صحيفة "ميدي ليبر" الفرنسية إلي أن هناك قلق يتعلق بإغلاق محتمل لمضيق هرمز، الممر البحري الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من النفط العالمي، ما قد يؤدي إلى تأثيرات متسلسلة على الاقتصاد العالمي.
وقال الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، جوناثان بيرون، الذي أوضح أن التأثيرات المحتملة لهذه الأزمة قد تتجاوز أسواق الطاقة لتطال التضخم وأسعار المواد الغذائية والغاز الطبيعي والسلع الأساسية الأخرى.
وقال بيرون إن السيناريو الأسوأ، والذي وصفه بـ"عالم غير مسبوق"، قد يؤدي إلى "ركود عالمي" نتيجة الاعتماد الكبير للاقتصاد العالمي على الطاقة المستوردة من الشرق الأوسط.
وأضاف أن إعادة توجيه مسارات النفط والغاز، مع انقطاع محتمل للإمدادات، سيضع ضغوطاً هائلة على الاقتصادات الصناعية، وسيؤثر على سلاسل الإمداد العالمية.
وأوضح الخبير أن توقف مرور النفط عبر مضيق هرمز، سيؤدي إلى نقص حاد في المعروض العالمي، ما سيرفع أسعار الطاقة بشكل كبير ويضاعف معدلات التضخم.
وأوضح أن ذلك بدوره سيؤثر على أسعار السلع الأساسية مثل الغذاء والمعادن، التي تعتمد صناعتها على الطاقة بشكل مباشر أو غير مباشر.
وأشار بيرون إلى أن أزمة الطاقة هذه لن تكون محلية، بل ستكون عالمية، مع تبعات واضحة على الاقتصاد الأوروبي والأمريكي والآسيوي، ما قد يدفع الدول إلى البحث عن بدائل سريعة لمصادر الطاقة، بما في ذلك تعزيز الإنتاج المحلي للنفط والغاز أو تسريع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة.
كما حذر الباحث من أن الأزمة قد تشعل منافسات سياسية واقتصادية بين الدول الكبرى حول التحكم بمسارات الطاقة والموانئ الاستراتيجية، وهو ما قد يزيد من تعقيد الحلول الدبلوماسية والسياسية في المنطقة.
وأكد بيرون أن المستقبل القريب يحمل احتمالات كبيرة للتقلبات الاقتصادية، وأن الحكومات والشركات في جميع أنحاء العالم بحاجة إلى إعداد خطط للطوارئ لضمان استمرار الإمدادات وتقليل أثر الصدمات على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي بشكل عام.
ويضاف كل ذلك إلى ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بالفعل بأنه أسوأ اضطراب عالمي في قطاع الطاقة في التاريخ، متجاوزا حتى حظر النفط العربي عام 1973 الذي تسبب في نقص الوقود وأدى إلى أضرار اقتصادية واسعة النطاق.
- الاتحاد الأوروبي يعيد حسابات الطاقة.. دعوات لخفض أهداف تخزين الغاز
- واشنطن تُجيز بيع وتسليم النفط الإيراني المخزن على متن سفن
فقد 400 مليون برميل خام
حتى الآن، أدت الأزمة إلى فقد السوق لحوالي 400 مليون برميل من الإمدادات -أي ما يعادل الإمدادات العالمية في 4 أيام- مما أدى إلى ارتفاع الأسعار بنحو 50%.
وللنفط والغاز ومنتجاتهما المكررة أهمية بالغة في العديد من جوانب العالم الحديث، بدءاً من تزويد السيارات والشاحنات والطائرات بالوقود ومرورا بتزويد المنازل والمنشآت الصناعية بالطاقة ووصولا إلى إنتاج البلاستيك والأسمدة.
وقال أديتيا ساراسوات نائب الرئيس الأول في شركة الاستشارات ريستاد إنرجي "اتساع نطاق المخاطر هنا في مجال الوقود والمواد الكيميائية والغاز الطبيعي المسال ومدخلات الأسمدة هو ما يجعل التوترات الجيوسياسية هذه المرة مختلفة نوعياً".
ومن ناحية أخرى فإن صدمات أسعار الطاقة تغذي التضخم، مما يضر بالمستهلكين والشركات بشدة.
صدمة الأسعار
ارتفعت أسعار النفط بالفعل بأكثر من 50% لتصل إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل منذ بدء الحرب، وزادت الآثار وضوحاً بالنسبة لخامات الشرق الأوسط -التي تعد عنصرا أساسيا للاقتصادات الآسيوية- إذ سجلت الأسعار مستويات قياسية قاربت 164 دولارا للبرميل.
وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار وقود النقل، مما شكل ضغطا على المستهلكين والشركات في أنحاء العالم ودفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات للحفاظ على الإمدادات.
وعلى سبيل المثال، أمرت تايلاند الموظفين المدنيين بتوفير الطاقة من خلال تعليق الرحلات الخارجية واستخدام السلالم بدلا من المصاعد، بينما أغلقت بنغلاديش جامعاتها.
وفرضت سريلانكا قيودا على استهلاك الوقود، وحظرت الصين صادرات الوقود المكرر، وشملت خطة الطوارئ الخاصة بالطاقة التي وضعتها الحكومة البريطانية خفض حدود السرعة لتوفير الوقود.
وعرضت وكالة الطاقة الدولية الجمعة مقترحات أخرى لخفض الطلب مثل العمل من المنزل وتجنب السفر الجوي، الذي تعرض بالفعل لاضطرابات شديدة.
ووافقت الوكالة الدولية للطاقة في وقت سابق من هذا الشهر على صرف كمية قياسية تبلغ 400 مليون برميل من النفط من مخزونات الطوارئ. لكن المحللين يقولون إن هذه الخطوة ضئيلة للغاية، إذ إن 400 مليون برميل لا تغطي سوى حوالي 20 يوما من تأثير الحرب.
وقالت ناتاشا كانيفا المحللة في جيه.بي مورغان، إن خفض الطلب هو الحل الوحيد عندما تنخفض الإمدادات.
وأضافت "تواجه السوق نقصا حادا في المنتجات (...) التي لا يمكن استهلاكها لمجرد أنها غير متوفرة".
وبالنسبة لكل المتوفر من الإمدادات، فإن الأسعار ترتفع بشكل حاد.
وعلى سبيل المثال، سجلت أسعار وقود الطائرات في أوروبا مستوى قياسيا بلغ حوالي 220 دولارا للبرميل -وهي تكلفة من المرجح أن تنعكس بسرعة على أسعار تذاكر الطيران. وفي الولايات المتحدة، التي تستورد كميات قليلة جدا من النفط من الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار بيع البنزين بالتجزئة بأكثر من دولار للجالون منذ 28 فبراير/شباط لتصل إلى حوالي 4 دولارات للغالون.
وترتفع أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا وآسيا بشكل حاد. وقد ترتفع تكاليف الطاقة للمستهلكين أيضا.
تهديد للغذاء
تهدد الحرب أيضا إمدادات الغذاء، إذ تسببت في اضطراب شديد في أسواق الأسمدة لأن حوالي ثلث التجارة العالمية في الأسمدة يمر عادة عبر مضيق هرمز.
وارتفعت أسعار المنتجات التي تحتوي على النيتروجين مثل اليوريا، وهي أهم منتجات الأسمدة، بنسبة تتراوح بين 30 و40% منذ بدء الصراع. وكان المزارعون الأمريكيون قد أبلغوا بالفعل عن خلو رفوف المتاجر قبل موسم الزراعة الربيعي.
وتتحرك مصانع الأسمدة في الهند وبنغلاديش وماليزيا باتجاه وقف الطلبات أو خفض الإنتاج أو الإغلاق التام بسبب نقص المواد الأولية.
وقال ماكسيمو توريرو كبير خبراء الاقتصاد في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو)، إن استمرار الصراع لبضعة أسابيع أخرى فقط سيؤدي إلى اضطراب كبير في إمدادات الغذاء العالمية.
وأضاف "سيؤثر هذا على الزراعة... سيكون هناك انخفاض في إمدادات السلع الأولية في العالم -من الحبوب الأساسية والأعلاف وبالتالي من منتجات الألبان واللحوم".
ويُزرع حوالي نصف الغذاء في العالم باستخدام الأسمدة، التي تمثل في بعض البلدان ما يصل إلى نصف تكلفة إنتاج حبوب.
سيناريوهات محتملة لإمدادات النفط والغاز
وطرح الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط جوناثان بيرون، عدة سيناريوهات موضحاً، أن الأزمة قد تتخذ عدة أشكال، كل منها يحمل تأثيراً مختلفاً على الاقتصاد العالمي الإغلاق الكامل لمضيق هرمز.
وفي هذا السيناريو، يتوقف مرور النفط والغاز الطبيعي من الخليج العربي، ما قد يؤدي إلى زيادة أسعار النفط إلى أكثر من 150 دولاراً للبرميل خلال أشهر، مقارنة بسعره الحالي الذي يراوح حول 85–90 دولاراً. وستتأثر دول آسيا بشكل مباشر.
والسيناريو الثاني وفقاً للباحث الفرنسي، تعطيل جزئي مع إعادة توجيه الإمدادات، أنه في حال تمكّن بعض الشحنات من المرور عبر طرق بحرية بديلة أو خطوط أنابيب داخلية، سيظل هناك نقص نسبي في المعروض، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بنسبة تتراوح بين 30–50%، مع استمرار ضغوط التضخم على الصناعات الثقيلة والأسواق الاستهلاكية.
وتابع ان السيناريو الثالث هو تداعيات سلاسل الإمداد العالمية، موضحاً أن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤثر على النقل البحري والجوي والبري، ويزيد تكلفة السلع الأساسية مثل الغذاء والمعادن والكيماويات. وفق بيرون، ستتأثر أوروبا بشكل خاص بسبب اعتمادها على الغاز المستورد من الشرق الأوسط وروسيا، بينما ستشهد أمريكا وأمريكا اللاتينية ارتفاع تكاليف الوقود، ما يضغط على القدرة الشرائية للمستهلكين.
أثر اقتصادي عالمي محتمل.. الركود وتغير المسارات
وأشار بيرون إلى أن تداعيات أزمة الطاقة لن تقتصر على النفط والغاز، بل ستطال الاقتصاد العالمي بأسره. فقد يؤدي النقص الحاد إلى ركود عالمي، مع انخفاض معدلات النمو في الاقتصادات الصناعية الكبرى، وارتفاع التضخم على السلع والخدمات الأساسية.
كما ستضطر الدول إلى إعادة توجيه طرق الطاقة عبر تطوير شبكات أنابيب بديلة أو تعزيز إنتاج النفط المحلي، وتسريع الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على الإمدادات الخارجية. وهذه التحولات ستتطلب استثمارات ضخمة قد تصل إلى تريليونات الدولارات خلال العقد المقبل.
آثار اجتماعية وغذائية
وأثر أزمة الطاقة لن يقتصر على الاقتصاد فقط، بل سيطال السكان بشكل مباشر. ارتفاع أسعار الوقود سيرتبط بارتفاع أسعار الغذاء، خصوصًا الحبوب والزيوت النباتية، التي تعتمد صناعتها على النقل والطاقة. كما ستزداد تكلفة الأسمدة والطاقة الزراعية، ما قد يؤدي إلى نقص غذائي جزئي في بعض المناطق، خصوصًا في الشرق الأوسط وأفريقيا.
المنافسة الجيوسياسية حول الطاقة
أوضح بيرون أن الأزمة ستزيد التوترات الجيوسياسية بين الدول الكبرى، التي ستسعى للسيطرة على الممرات البحرية والموانئ الاستراتيجية، وهو ما قد يعقد الحلول الدبلوماسية والسياسية في المنطقة. كما قد تشهد أسواق النفط صراعات تجارية على العقود والتصدير، ما يزيد من تقلب الأسعار ويجعل من الصعب على الحكومات التخطيط الاقتصادي بعيدة المدى.
خطة الطوارئ والتحوط
بحسب بيرون، يجب على الحكومات والشركات العالمية تطوير خطط طوارئ للطاقة تشمل زيادة الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط والغاز، وتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز شبكات النقل الداخلية لتخفيف تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة على السلع الأساسية، والاستثمار في الطاقة المتجددة لتأمين استقرار طويل المدى.