ها قد ألغى الرئيس ترامب، قبل يومين، الاجتماعات المُقررة بين مبعوثيه ونظرائهم الإيرانيين في العاصمة الباكستانية، إسلام آباد، قبل ساعات من سفرهم إلى هناك لاستئناف المفاوضات حول إنهاء الحرب
وعلى الرغم من أنه عاد وأكد أن إلغاء الرحلة لا يعني استئناف الحرب بالضرورة، بيد أن المؤشرات لا تبدو جيدة.
فقبل أسبوعين أيضًا، غادر الوفدان الأمريكي والإيراني العاصمة الباكستانية إسلام آباد، بعد أقل من 24 ساعة فقط على انطلاق المفاوضات بين الجانبين، دون التوصل إلى أي تسوية أو حتى اتفاق أولي، وذلك رغم الآمال العريضة والطموحات الكبيرة التي صاحبت إطلاق أول جولة تفاوض منذ اندلاع الحرب في فبراير الماضي.
وشخصيًا أميل إلى الرأي الآخر، وهو أن هذه المفاوضات لن تسفر عن أي نتائج ملموسة في هذه المرحلة المبكرة، فبكل أسف، لا يزال الوقت مبكرًا للغاية لكي يتمكن الطرفان من التوصل إلى حلول وسط، إذ لا تزال الهوة بينهما واسعة، كما أن كلاً من واشنطن وطهران يعتقد أنه يحقق مكاسب على أرض المعركة. وكما قال لي أحد مسؤولي الأمن القومي الأمريكي السابقين: "لم يحن بعد وقت التنازلات المؤلمة"، سواء من الجانب الأمريكي أو الإيراني، ومن دون هذه التنازلات لن يكون هناك أي أفق حقيقي لتسوية.
أما الهدنة التي تم الإعلان عنها مؤخرًا، فيمكن وصفها بأنها هدنة "خادعة" أو هشة في أحسن الأحوال، إذ جاءت نتيجة تفاهمات غير واضحة المعالم، وجرى تسويقها وكأنها تمهيد لحل سريع أو اختراق مفاجئ في مسار الأزمة، غير أن الواقع يشير إلى عكس ذلك تمامًا. فلا يبدو أن الرئيس ترامب مستعد لتقديم تنازلات جوهرية، وهو الذي قال إنه يريد كل شيء وليس 90% حتى، كما لا توجد مؤشرات على تراجع نظام الملالي.
والحقيقة أن هذه الحرب بدأت بلا أهداف واضحة، فهل كان الهدف إسقاط النظام في طهران؟ أم السيطرة على اليورانيوم المخصب ونقله إلى الخارج؟ أم تدمير القدرات العسكرية الإيرانية؟ ولقد ظلت أهداف الحرب تتأرجح بين هذه السيناريوهات، قبل أن يتحول التركيز فجأة إلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وهو الممر الذي كان مفتوحًا بالفعل قبل اندلاع الحرب.
المؤشرات الحالية توحي بأن الصراع يتجه نحو ما يمكن تسميته بـ"النتائج الرمادية"، وهي نتائج لا حسم فيها ولا نهاية واضحة، وتعني ببساطة استمرار الحرب بلا نهاية، فكلا الطرفين يبدو مصممًا على الاستمرار مهما كانت التكلفة، في محاولة لفرض شروط، وبدون نتائج واضحة للحروب يصعب تخيل شكل السلام، فكيف ستُعقد سلامًا بين طرفين يظن كل منهما أنه انتصر وسط كل هذا الدمار؟! فهذه حرب نتائجها مؤجلة، أما أن تُحسم بالتفاوض أو تتجدد الأعمال القتالية.. لكنها لم تنتهِ بعد.
صحيح أن ترامب يبدو أنه يواجه ضغوطًا داخلية كبيرة لمحاولة تعديل سلوكه، وسوف تواجه شعبيته اختبارًا قاسيًا للغاية في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل، لكن حتى هذا الأمل لا يمكن التعويل عليه فحسب، لأنه رغم الضغوط الداخلية على ترامب، يبدو أيضًا أن قاعدته الانتخابية المتمثلة في حركة MAGA، اختصارًا لـ "Make America Great Again" (اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى)، ما زالت متماسكة، كما أنه على العكس تمامًا قد - وأقول هنا "قد" - يظهر بعض الأمريكيين المستقلين ميولًا لدعم ترامب خلال الفترة المقبلة، لاسيما مع زيادة حدة الحرب أو توجيه ضربات قاسية للمصالح أو لأهداف أمريكية في المنطقة، أو كما نقله لي أحد الخبراء المنخرطين بالعمل مع الإدارة الأمريكية، لكنه ليس محسوبًا على أي من الحزبين، وسبق له العمل ضمن الإدارات الديمقراطية كذلك: "إنه في النهاية، الأمر متعلق بالولايات المتحدة وليس ترامب فحسب، والولايات المتحدة أكبر من الرئيس الأمريكي حتى ولو كان ترامب".
في المحصلة، تبدو جميع السيناريوهات المطروحة قاتمة إلى حد كبير، فيما تتراجع فرص السلام أو تظل محدودة للغاية. فإنه ربما لا يكون من التشاؤم القول إن المنطقة قد تكون على موعد مع جولة جديدة من التصعيد، قد تكون أكثر عنفًا وضراوة. ومع ذلك، ندعو الله أن تخطئ هذه التقديرات.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة