الحرب ترفع المخاطر وتربك الحسابات الاقتصادية في أمريكا
نجح الاقتصاد الأمريكي في تجاوز عام حافل بالتحديات في مجالات التجارة والهجرة وغيرها، لكنه يواجه الآن اختبارا جديدا من المرجح أن يزيد حالة عدم اليقين، بعد قرار الرئيس دونالد ترامب شن هجمات بلا سقف زمني أو قيود محددة على إيران.
ومع استمرار الصراع العسكري في المنطقة، وإعلان ترامب أن الحرب قد تستمر لأسابيع على الأقل، يركز المحللون على قائمة طويلة من العوامل غير المتوقعة. إذ قفزت أسعار النفط مع تباطؤ حركة الملاحة عبر الممرات النفطية الاستراتيجية في مضيق هرمز.
ورغم أن الولايات المتحدة أقل تأثرا بصدمات الطاقة مقارنة بالعديد من الدول المتقدمة الأخرى، بفضل إنتاجها المحلي من النفط والغاز، فإن التأثير العالمي على التجارة والأسعار والاستثمار قد يمتد ليؤثر سلبا في التوقعات الإيجابية للنمو هذا العام.
وأظهر استطلاع حديث أجرته مؤسسة "كونفرنس بورد" ارتفاعا في ثقة الرؤساء التنفيذيين بآفاق الاقتصاد الأمريكي وصناعاتهم، إلا أن ما يقرب من 60% منهم أكدوا وجود مخاطر مرتفعة تتمثل في أن يصبح التوتر الجيوسياسي عاملا مزعزعا للاستقرار.
وفقا لرويترز، وصف البنك الدولي في أحدث تقييم له للاقتصاد الأمريكي التوقعات بأنها "إيجابية"، وهو تقييم سيخضع الآن لاختبار حقيقي أمام اضطرابات صراع غير متوقع في منطقة رئيسية لإنتاج النفط، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات على الشحن العالمي وسلاسل التوريد وأسعار السلع الأساسية.
مرحلة الشلل
وكتب الخبير الاقتصادي في "جيه.بي مورغان"، جوزيف لوبتون، في مذكرة صدرت مطلع الأسبوع بعد بدء القصف الأمريكي على إيران: "كان أحد أركان توقعاتنا لعام 2026 هو ما رصدناه من تلاشي حالة الحذر فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية. فقد أشارت بيانات أوائل العام إلى أن الشركات بدأت تتجاوز مرحلة الشلل في التوظيف والإنفاق الرأسمالي على الأصول غير التقنية، وبدأت في توجيه أرباحها ورؤوس أموالها، التي حافظت على مرونتها، نحو الاستثمار".
وأضاف: "هذا الانتعاش الناشئ بات معرضا للخطر الآن. فالحرب العسكرية، التي تضاف إلى الحرب التجارية الأمريكية المستمرة، قد تعيد إشعال المخاوف بشأن الاستقرار العالمي".
ويعتمد مدى هذا التأثير، وما إذا كان سينعكس على السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي)، على حجم الارتفاع في أسعار النفط العالمية جراء الصراع، ومدى احتمالات تصعيده أو اتساع نطاقه بمرور الوقت، أو تطوره إلى صراع داخلي على السلطة في إيران بعد مقتل الزعيم الأعلى علي خامنئي في غارة جوية.
وشكلت حرب روسيا في أوكرانيا عام 2022 مخاطر عالمية مماثلة، وكان رد الفعل الأولي للبنك المركزي الأمريكي يميل إلى التيسير النقدي، إذ قلص المسؤولون خططهم لرفع أسعار الفائدة بشكل كبير في ذلك الربيع.
غير أن مخاوف التضخم عادت بسرعة إلى الارتفاع، ما دفع إلى تسريع وتيرة تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة لاحقا.
وكتب كبير الاقتصاديين الأمريكيين في شركة "إس.جي.إتش ماكرو أدفايزرز"، تيم دوي: "الصراع مع إيران عامل غير متوقع، وإن كانت الأسواق قد تفقد اهتمامها سريعا إذا تحول الوضع من صراع إقليمي إلى داخلي".
وفي مذكرة منفصلة، أشار رئيس شركة "إس.جي.إتش" ومديرها التنفيذي، ساسان قهرماني، إلى حالة عدم اليقين السائدة حاليا، مع احتمال اندلاع حرب أهلية إيرانية، فضلا عن ما وصفه بتكتيك "الأرض المحروقة" المتمثل في تصعيد الصراع من طهران إلى مراكز مدنية أخرى، بهدف ضرب الاقتصاد العالمي والضغط لإنهاء الحرب.
خطر حملة غير متكافئة
والتأثير الأولي على السوق يبدو محدودا حتى الآن. فالعقود الآجلة لأسعار الفائدة تميل بشكل طفيف نحو توقع اعتماد البنك المركزي الأمريكي سياسة أكثر ميلا للتشديد النقدي، لكنها لا تزال تشير إلى احتمال أن يخفض البنك أسعار الفائدة مرتين هذا العام، على أن تكون الخطوة الأولى في اجتماعه المقرر يومي 28 و29 يوليو/تموز.
وانخفض العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين في مطلع الأسبوع، وهو رد فعل شائع في أوقات الأزمات العالمية مع بحث المستثمرين عن أصول آمنة، إلا أن العائد عاد وارتفع سريعا اليوم الاثنين، في إشارة محتملة إلى تصاعد القلق بشأن التضخم والمخاطر، على الأقل على الصعيد العالمي.
وارتفع الدولار، بوصفه ملاذا آمنا آخر، مقابل سلة من العملات الرئيسية. وشهدت مؤشرات الأسهم الأمريكية الرئيسية تباينا في التعاملات.
وكتب محللو "سيتي" في مذكرة: "لا نتوقع أن تؤثر التطورات الجيوسياسية بشكل كبير في خطط البنك المركزي لأسعار الفائدة، مع وجود مخاطر محدودة لارتفاع التضخم تقابلها ظروف مالية أقل دعما، إضافة إلى تركيز واضح على البيانات المحلية".
وأضافوا: "نتوقع إضافة 55 ألف وظيفة جديدة ونسبة بطالة عند 4.4% يوم الجمعة، وهي قراءة من شأنها أن تبقي مسؤولي مجلس الاحتياطي الاتحادي متفائلين باستقرار أسواق العمل".
ومن المقرر أن تصدر وزارة العمل الأمريكية تقريرها عن التوظيف لشهر فبراير/شباط يوم الجمعة.
ومع ذلك، ذكرت وكالة بلومبرغ أن رئيسة مجلس الاحتياطي الاتحادي السابقة، جانيت يلين، قالت في مؤتمر الشحن السنوي الذي تنظمه شركة ستاندرد آند بورز غلوبال، إن الحرب تشكل خطرا مزدوجا يتمثل في رفع معدلات التضخم في الولايات المتحدة وتباطؤ النمو الاقتصادي في آن واحد، ما يجعل البنك المركزي أكثر ميلا للتريث وأكثر حذرا في خفض أسعار الفائدة عما كان عليه قبل هذه التطورات.
لكن عدم القدرة على التنبؤ بالمرحلة الحالية يبقى أيضا محور اهتمام متزايد.
سيناريوهات الأزمة
وقال كبير الاقتصاديين الأمريكيين في "نايتكس سي.آي.بي أمريكاز"، كريستوفر هودج، في مذكرة: "لقد ازدادت المخاطر المحتملة على نحو ملحوظ"، مشيرا إلى سيناريوهات تتراوح بين حل سريع وتشكيل حكومة جديدة في إيران تعمل على استقرار المنطقة، وبين صراع أطول أمدا يقلب سلاسل التوريد العالمية رأسا على عقب.
وكتب هودج واقتصاديون آخرون في الشركة ذاتها أن أحد السيناريوهات المتطرفة يتمثل في تراجع قدرة النظام الإيراني على الرد العسكري، فتتلاشى تأثيرات ارتفاع أسعار النفط سريعا، ويكون التأثير الاقتصادي محدودا نسبيا، دون تغيير كبير في توقعات أسعار الفائدة لدى الاحتياطي الاتحادي.
وفي المقابل، أشاروا إلى احتمال توسع الصراع إقليميا، مع امتداد تداعياته إلى طرق التجارة العالمية وسلاسل التوريد خارج قطاع الطاقة، وبقاء سعر النفط فوق 120 دولارا للبرميل، بحيث لا تقتصر الصدمة على الخام فقط، بل تشمل تعطل خطوط الشحن وارتفاع تكاليف التأمين وتضرر شبكات الإنتاج العالمية، ما قد يدفع الاقتصاد الأمريكي نحو الانكماش، ويرفع معدلات البطالة، ويزيد العجز، ويعجل بخفض أسعار الفائدة لتجنب الركود.
وقال نائب رئيس شركة كارلايل، وجيف كوري المسؤول البارز في الشركة عن أسواق الطاقة والسلع ذات الصلة، جيمس ستافريديس، في مذكرة، إنه من الصعب توقع المسار الذي سيتخذه الصراع.
وقدّرا احتمال نجاح ترامب في استبدال النظام الإيراني الحالي بنحو 30% فقط، مع احتمال قدرة الحرس الثوري على شن رد فعل "غير متكافئ" يتجاوز نقاط الاختناق الواضحة مثل مضيق هرمز.
لكن توماس أشار إلى أنه يركز على "احتمال أساسي بنسبة 70% أو أكثر لشن حملة غير متكافئة طويلة الأمد، تشمل الأنشطة السيبرانية، والقوى بالوكالة التي قد تمتد إلى العراق، ثاني أكبر منتج في أوبك".