تسارع نووي في الجنوب العالمي.. أزمة الطاقة تُسرع خطط آسيا وأفريقيا
يبدو أن حرب إيران لم تقتصر تداعياتها على أسواق النفط والغاز فقط، بل أعادت فتح ملف الطاقة النووية عالميًا.
وتشهد أسواق الطاقة العالمية تحولًا لافتا في أعقاب الأزمة الناجمة عن الحرب، حيث أدى الاضطراب الحاد في إمدادات النفط والغاز إلى تسريع توجه عدد متزايد من الدول في آسيا وأفريقيا نحو الطاقة النووية، سواء عبر زيادة الإنتاج من المحطات القائمة أو عبر تسريع خطط إنشاء محطات جديدة.
ووفقًا لتقارير تحليلية حديثة، فإن الأزمة التي بدأت بإرباك طرق الشحن الحيوية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها مضيق هرمز، أثرت بشكل مباشر على تدفقات الطاقة نحو الأسواق الآسيوية، التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط والغاز من المنطقة. وقد كانت آسيا الأكثر تأثرًا في المرحلة الأولى، قبل أن تمتد تداعيات الأزمة إلى أفريقيا، ثم إلى الولايات المتحدة وأوروبا، مع ارتفاع واضح في أسعار الطاقة عالميًا.
تحركات حكومية
ورغم أن الطاقة النووية لا تُعد حلا سريعا للأزمة الحالية، فإن خبراء الطاقة يؤكدون أنها تمثل استثمارا طويل الأمد في الاستقرار الطاقي. فبناء محطة نووية جديدة قد يستغرق سنوات أو حتى عقود، خاصة في الدول التي لا تمتلك بنية تحتية نووية مسبقة. ومع ذلك، فإن القرارات التي تتخذ اليوم قد تعيد تشكيل مزيج الطاقة العالمي لعقود قادمة.
ويشير محللون في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي إلى أن الدول التي تبدأ اليوم في تبني الطاقة النووية ستجد نفسها لاحقًا أقل عرضة للصدمات الناتجة عن تقلبات أسعار الوقود الأحفوري أو الأزمات الجيوسياسية في مناطق الإنتاج.
وفي آسيا، دفعت الأزمة بعض الدول إلى تسريع الاعتماد على الطاقة النووية، حيث تعمل كوريا الجنوبية على زيادة إنتاج الكهرباء من محطاتها النووية القائمة لتعويض ارتفاع أسعار الطاقة. كما تشهد تايوان نقاشات داخلية حول إمكانية إعادة تشغيل مفاعلات نووية كانت قد أُغلقت في وقت سابق ضمن خطط تقليص الاعتماد على الطاقة النووية.
أما في أفريقيا، فقد اكتسبت مشاريع الطاقة النووية زخماً جديدًا، حيث أعادت دول مثل كينيا ورواندا وجنوب أفريقيا تأكيد التزامها بتطوير برامج نووية مدنية. وتأتي هذه التحركات في ظل رغبة متزايدة في تنويع مصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد الذي أصبح أكثر تكلفة وتقلبًا.
نقطة تحول
وتأثير الأزمة لا يقتصر على آسيا وأفريقيا، بل يمتد إلى الاقتصادات الكبرى في الغرب. حيث تواجه الولايات المتحدة وأوروبا ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، ما ينعكس بدوره على معدلات التضخم وتكاليف الإنتاج.
ويرى خبراء أن استمرار التوترات الجيوسياسية في مناطق إنتاج الطاقة قد يعزز هذا الاتجاه نحو الطاقة النووية، خاصة في ظل محدودية البدائل القادرة على توفير طاقة مستقرة ومنخفضة الانبعاثات على نطاق واسع.
ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن بيانات أن ارتفاع تكاليف الوقود والطاقة لم يعد مجرد ضغط مؤقت على الاقتصادات، بل تحول إلى عامل استراتيجي يعيد تشكيل سياسات الطاقة في العديد من الدول.
وفي هذا السياق، بدأت دول آسيوية وأفريقية تمتلك بالفعل قدرات نووية في تعزيز إنتاجها الكهربائي من المحطات القائمة، بهدف تعويض جزء من النقص في إمدادات الوقود الأحفوري. وفي الوقت نفسه، سارعت دول لا تمتلك برامج نووية متقدمة إلى إعادة النظر في خططها طويلة الأجل، معتبرة أن الطاقة النووية أصبحت خيارًا استراتيجيًا لتأمين أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الأسواق المتقلبة للنفط والغاز.
وتؤكد هذه التحولات أن الأزمة الحالية لم تعد مجرد أزمة أسعار طاقة، بل أصبحت نقطة تحول في سياسات الطاقة العالمية. فالدول لم تعد تنظر إلى الطاقة النووية باعتبارها خيارًا ثانويًا أو طويل الأجل فقط، بل كجزء من استراتيجية أوسع لتحقيق الأمن الطاقي والاستقرار الاقتصادي.