خبير بيئي: تحلية المياه إحدى أهم الفرص الاستثمارية الرابحة عالميا
أصبحت تحلية المياه فرصة استثمارية إضافة إلى أنها حل مناسب لأزمة ندرة المياه.
يعتمد أكثر من 300 مليون شخص عالميًا على تحلية المياه في حياتهم اليومية؛ خاصة مع تفاقم أزمة ندرة المياه، تزامنًا مع الارتفاع العالمي في متوسط درجات الحرارة، ما يُعيق وصول نحو 2.1 مليار شخص حول العالم إلى مياه شرب آمنة، تلك العوامل تجعل تحلية المياه أحد الحلول الفعّالة لضمان توفير مياه للاستخدامات اليومية، وسد احتياجات البشر. في نفس الوقت، أصبحت تحلية المياه فرصة جيدة للاستثمار فيها؛ خاصة مع الطلب المتزايد على المياه العذبة ودعم الحكومات القوي لتلك المشاريع، إضافة إلى الأزمة المستمرة في ندرة المياه.
فرصة استثمارية؟
تتجه أنظار المستثمرين اليوم إلى تحلية المياه، باعتبارها فرصة استثمارية رابحة، ويرجع ذلك لعدة أسباب، من ضمنها:
1- الحاجة إلى المياه
مع تفاقم أزمة ندرة المياه عالميًا، تزداد الحاجة إلى المياه العذبة لتلبية الاحتياجات في كافة القطاعات، وتشغل المياه المالحة نسبة 97.5% من إجمالي المياه على سطح الأرض، بينما تشغل المياه العذبة نحو 2.5% فقط. ومع تصاعد أزمة المناخ، يتزايد الطلب على المياه العذبة؛ إذ تسبب الاحترار العالمي في عدم انتظام هطول الأمطار ونضوب طبقات المياه الجوفية وانتشار الجفاف على مساحات شاسعة، ما يُقلل من توافر مصادر المياه العذبة، في حين قد تتوافر مصادر للمياه المالحة مثل البحار والمحيطات.
2- انخفاض التكاليف
مع تطور التكنولوجيا المرتبطة بعملية تحلية المياه، ومضاعفة كفاءة الطاقة المستخدمة بصورة أساسية في دعم العملية؛ خاصة مع تدخل مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، أدى ذلك إلى انخفاض تكلفة تحلية متر مكعب من المياه بصورة ملحوظة، إضافة إلى انخفاض معدل الانبعاثات الدفيئة الناتجة عن عملية تحلية المياه، ما قلل من البصمة الكربونية، وقلل نفقات التشغيل على المدى البعيد.
3- نمو السوق
يُعد سوق تحلية المياه من أكثر الأسواق نموًا، حتى في أوقات الأزمات، يحتاج الناس وقطاع الصناعة المياه، ما يجعل الحاجة إلى تحلية المياه من أهم القطاعات المطلوبة طوال الوقت. بالفعل يشهد سوق تحلية المياه العالمي نموًا بارزًا، ومن المتوقع أن ينمو إلى 58 مليار دولار أمريكي بحلول العام 2033.
4- بنية تحتية
لا يربح المستثمرون فقط من بيع المياه التي خضعت لعملية تحلية المياه، بل وأيضًا من البنية التحتية التي يستثمرون فيها في مشاريع تحلية المياه، مثل بناء وتشغيل المحطات وأنظمة المعالجة والمضخات والأغشية والفلاتر والطاقة المتجددة التي تعمل بها المحطة، ما يجعل مشاريع تحلية المياه فرصة استثمارية مربحة على عدة مستويات.
في المنطقة العربية؟
يرى الخبير المصري في البيئة والمناخ، هشام عيسى، أنّ "تحلية المياه أصبحت أحد أهم الفرص الاستثمارية عالميًا؛ وخاصة في المنطقة العربية، نتيجة التقاء عدة عوامل اقتصادية ومناخية واستراتيجية جعلت المياه موردًا حيويًا يرتبط مباشرة بالأمن القومي والتنمية الاقتصادية".
وأشار عيسى إلى تزايد أزمة ندرة المياه العذبة؛ نتيجة النمو السكاني السريع والتوسع العمراني وارتفاع الطلب الزراعي والصناعي، إلى جانب تأثيرات التغيرات المناخية، مثل الجفاف وتراجع معدلات الأمطار. وبسبب أزمة ندرة المياه التي تعاني منها الدول العربية، تزداد الفجوة المائية، ما يدفع الحكومات إلى البحث عن مصادر غير تقليدية للمياه، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر.
ويشرح عيسى في حواره مع العين الإخبارية أنّ "تحلية المياه لم تعد مجرد مشروع خدمي، بل إنها قد تحولت إلى قطاع اقتصادي ضخم يجذب الاستثمارات الخاصة وصناديق التمويل السيادي والمؤسسات الدولية؛ خاصة مع ارتفاع الطلب المستقبلي المتوقع على موارد المياه".
وبحسب عيسى؛ بالفعل، تُشير تقارير دولية إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُعد من أكبر الأسواق العالمية في هذا القطاع، نظرًا لاعتماد العديد من دولها بالفعل على التحلية كمصدر رئيسي للمياه؛ خاصة مع التطور التكنولوجي الذي خفّض تكلفة التحلية مقارنة بالماضي؛ إذ ساهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة وأنظمة الأغشية الحديثة في تقليل استهلاك الطاقة ورفع كفاءة التشغيل، ما جعل المشروعات أكثر جدوى اقتصاديًا وأقل تأثيرًا على البيئة.
من جانب آخر، أشار عيسى إلى أنّ الربط بين التحلية والطاقة الشمسية أو طاقة الرياح يُمثل فرصة استثمارية مزدوجة تجمع بين المياه والطاقة النظيفة، بل وترتبط تحلية المياه بقطاعات اقتصادية عديدة من ضمنها: السياحة والصناعة والزراعة والهيدروجين الأخضر والمناطق الصناعية الجديدة، ما يزيد من جاذبية الاستثمار في مشاريع تحلية المياه؛ فالمستثمر لم يعد ينظر إلى محطة التحلية كمشروع منفصل، بل كبنية تحتية استراتيجية تدعم التنمية الشاملة وتفتح فرصًا طويلة الأجل.
كما أوضح عيسى أنّ هناك العديد من الدول التي بدأت حكوماتها في تقديم حوافز استثمارية وتشريعية لجذب القطاع الخاص إلى مشروعات تحلية المياه بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهذا من شأنه أن يُقلل من المخاطر المالية ويوفر عوائد مستقرة نسبيًا للمستثمرين.
ويختتم عيسى حديثه إلى العين الإخبارية قائلًا: "إنّ تنامي الاهتمام العالمي بالاستدامة والتمويل الأخضر جعل مشروعات تحلية المياه؛ خاصة المرتبطة بالطاقة المتجددة، مؤهلة للحصول على تمويلات ميسرة وسندات خضراء وائتمانات من مؤسسات التنمية الدولية. لذلك، باتت تحلية المياه فرصة استثمارية ليس فقط بسبب العائد الاقتصادي المتوقع، بل وأيضًا لأنها تمثل استثمارًا في الأمن المائي والاستقرار والتنمية المستقبلية، خصوصًا في الدول التي تواجه ضغوطًا مائية متزايدة مثل دول المنطقة العربية".