«سارق المياه» الذي يخشاه العراق.. كيف يتحول إلى وقود وسماد وفلتر هواء؟ (خاص)
في الوقت الذي أعلن فيه العراق حربًا على نبات "زهرة النيل"، يرى باحثون أن هذه النبتة قد تحمل داخلها فرصًا اقتصادية وبيئية كبيرة.
العراق، الذي يواجه أزمة مائية متصاعدة، شدد خلال جلسة لمجلس الوزراء على ضرورة وضع حلول فعالة للتلوث والحفاظ على مياه نهر دجلة، في ظل الانتشار الواسع لهذا النبات الغازي الذي يوصف بـ"سارق المياه" حيث ينمو بسرعة كبيرة، ويستهلك كميات ضخمة من المياه، فضلًا عن حجبه ضوء الشمس عن الكائنات المائية وتقليله نسبة الأكسجين في المياه.

ورغم أن الموطن الأصلي لزهرة النيل يعود إلى أمريكا الجنوبية، فإن مصر على سبيل المثال خاضت معه معركة طويلة داخل نهر النيل والترع والمصارف، وأنفقت مئات الملايين سنويًا لإزالته. لكن هذه المعركة دفعت الباحثين إلى التفكير بطريقة مختلفة، لتحويل هذا العبء البيئي إلى مورد اقتصادي.
وبرزت 5 أفكار رئيسية خرجت من مراكز بحثية وجامعات، وهي:
أولا: من نبات مهدِر للمياه إلى أداة لتنقية الصرف الصناعي
في المركز القومي للبحوث ، قاد الباحث مدحت إبراهيم فريقًا بحثيًا نجح في تطوير منتج يعتمد على ورد النيل لتنقية مياه الصرف الصناعي من الملوثات غير العضوية، مثل الرصاص والكادميوم، وهما من أخطر ملوثات الصناعات الثقيلة.
الفكرة بدأت بتجفيف النبات وتحويله إلى مسحوق، ثم خلطه بمادة "الكيتوزان"، وهي مادة بوليمرية لها قدرة عالية على امتصاص المعادن الثقيلة، ليخرج المنتج في صورة كريات دقيقة يتراوح حجمها بين 700 و900 ميكرومتر.
الميزة اللافتة أن هذه الكريات لا تُستخدم مرة واحدة فقط، بل يمكن إعادة استخدامها أربع مرات بنفس الكفاءة تقريبًا، بعد غسلها بمحلول قلوي يفصل الملوثات عنها، ما يسمح أيضًا بإعادة استخدام بعض هذه المعادن كمادة خام صناعية.
ويرى الباحثون أن هذه التقنية تحقق معادلة نادرة: التخلص من نبات مضر، وإعادة تدوير مياه الصرف، وتقليل تكلفة تنقية المياه.
ثانيا: جهاز يحول ورد النيل إلى فلتر لتنقية الهواء
بعد جائحة كورونا، تصاعد الاهتمام بجودة الهواء داخل الأماكن المغلقة، وهنا ظهرت فكرة جديدة من المركز القومي للبحوث أيضًا.
وطور فريق برئاسة الباحثة إلهام فاروق جهازًا لتنقية الهواء أطلق عليه اسم "ENFAP"، يعتمد على فلاتر مصنوعة جزئيًا من ألياف ورد النيل، ممزوجة بالألياف الزجاجية والإسفنج والفحم النشط.
الجهاز صُمم لالتقاط الجسيمات الدقيقة والملوثات الهوائية داخل المنازل والمدارس والمستشفيات والفنادق، ويتميز بأنه أول منتج محلي في هذا المجال، ما يقلل الاعتماد على الأجهزة المستوردة.
الأهم هنا أن الباحثين لم يكتفوا باستخدام ألياف النبات فقط، بل عملوا أيضًا على تحويله إلى فحم نشط يمكن استخدامه في أنظمة تنقية أخرى، ما يفتح مجالًا صناعيًا جديدًا.

ثالثا: وقود حيوي من نبات مائي غازي
وفي دراسة من جامعة القاهرة، جمع الباحثون عينات من ورد النيل على مدار أربعة فصول متتالية لتحليل مكوناته الحيوية، وأظهرت النتائج أن النبات يحتوي على نسب من الدهون تتراوح بين 6.79% و10.45%، وهي نسبة كافية لإنتاج وقود حيوي، والنتيجة كانت إنتاج وقود مطابق للمواصفات المصرية الخاصة بالديزل، مع استقرار كيميائي جيد يسمح باستخدامه في المحركات.
وهذا يعني أن النبات الذي يستهلك المياه بلا فائدة يمكن أن يتحول إلى مصدر للطاقة النظيفة، في وقت تتجه فيه دول العالم لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
رابعا: سماد عضوي للتربة الرملية
وفي دراسة أجرتها هيئة الطاقة الذرية المصرية، تبين أن تحويل ورد النيل إلى سماد عضوي يمكن أن يحسن خصائص التربة الرملية، وهي من أكثر أنواع التربة احتياجًا للدعم العضوي.
وأظهرت الدراسة أن النبات غني بعناصر غذائية مهمة للنباتات، كما يساعد في تحسين قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه وزيادة خصوبتها.
الميزة المهمة أن النبات نفسه يمتلك قدرة طبيعية على امتصاص الملوثات من المياه، ما قد يجعله وسيطا جيدا لاستعادة العناصر الغذائية، لكن الباحثين شددوا على ضرورة التأكد من نظافة البيئة التي نُقل منها قبل استخدامه في الزراعة.

خامسا: غذاء للماشية بشروط
وجد باحثون من جامعتي المنوفية والزقازيق، بالتعاون مع المركز القومي للبحوث، أن أوراق وسيقان ورد النيل تحتوي على نسب جيدة من السكريات والكربوهيدرات، إلى جانب معادن مثل البوتاسيوم والمغنيسيوم والكالسيوم، وهذه التركيبة تجعل النبات مناسبًا ليكون علفا للماشية، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار الأعلاف التقليدية.
لكن الدراسات حذرت من نقطة مهمة، وهي أنه إذا نما النبات في مياه ملوثة بالمعادن الثقيلة، فقد ينقل هذه الملوثات إلى الحيوانات، لذلك يجب إخضاعه للفحص قبل الاستخدام.
هل يستفيد العراق من تجارب الدول؟
ومن خلال التجربة المصرية على سبيل المثال مع زهرة النيل، يرى د.منير أبو الرجال، الباحث بكلية الزراعة جامعة الوادي الجديد، إن الحرب على ورد النيل لا يجب أن تكون فقط بالإزالة والحرق، لأن ذلك يعني خسارة مورد بيولوجي يمكن استثماره.
ويقول لـ "العين الإخبارية " إنه "بالنسبة للعراق، الذي يواجه تحديات مزدوجة تتمثل في شح المياه والتلوث، قد تكون التجربة المصرية نموذجًا عمليًا، فبدلًا من التعامل مع زهرة النيل بوصفها تهديدًا فقط، يمكن أن تتحول إلى جزء من الحل".
ويضيف أن " النبات الذي يستهلك المياه ويعطل الملاحة ويهدد التنوع البيولوجي، قد يصبح في المقابل أداة لتنقية المياه، وتحسين الهواء، وإنتاج الطاقة، وتخصيب التربة، وتوفير الأعلاف... وهي مفارقة تجعل من "سارق المياه" موردا اقتصاديا غير متوقع".