ندرة المياه.. أولوية الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر المناطق المتضررة من ندرة المياه، لكن كيف تعالج الأزمة؟
في منطقة تعاني معظم دولها من ندرة المياه، يجب أن يأتي ملف المياه على رأس أولوياتها، وتصبح المياه قضية أمن قومي، هذا بالضبط ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، المنطقة العربية التي تعاني شعوبها من الإجهاد المائي، وتبحث عن حلول وابتكارات لزيادة المياه النظيفة المتاحة؛ لتلبية احتياجات الشعوب في مختلف مناحي الحياة، بدءًا من الاستخدامات اليومية وصولًا إلى القطاعات الكبيرة التي تقوم عليها اقتصادات الدول مثل الزراعة والصناعة والتجارة وغيرهم.
ومع تفاقم أزمة المناخ، والارتفاع المطرد في درجات الحرارة العالمية، والتي تُسجل ارتفاعًا قياسيًا كل عام، تزداد حدة أزمة ندرة المياه؛ إذ تُعاني منطقتنا بالفعل من تأثيرات درجات الحرارة المرتفعة، وأثبتت الأبحاث أنّ في ظل الاحتباس الحراري، تُصبح المناطق الجافة أكثر جفافًا، وبالفعل، تعاني منطقتنا من الجفاف وزحف التصحر بوتيرة أسرع من السابق بفعل العوامل المناخية.
منطقتنا العربية
بالنظر في خريطة العالم، نلاحظ أنّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتميز باللون الأصفر؛ معبرًا عن الصحراء الكبرى في شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية؛ فطبيعة منطقتنا العربية بصورة عامة صحراوية، وتتميز بتنوع بيولوجي فريد، لكنها أيضًا تعاني من ندرة المياه، ولدينا في المنطقة العديد من الدول التي تعاني بالفعل من ندرة المياه، على رأسها: البحرين، الكويت، قطر، الإمارات العربية المتحدة، عُمان، المملكة العربية السعودية، الأردن، لبنان، ليبيا، اليمن، مصر، الجزائر، والمغرب. كل تلك الدول تعاني من الإجهاد المائي، وعادةً يحدث الإجهاد المائي عندما يتجاوز الطلب على المياه النظيفة الصالحة للاستخدام، الحد المتاح خلال فترة زمنية محددة، ما يتسبب في حدوث عواقب بيئية واجتماعية واقتصادية وخيمة، وهنا تتجلى أزمة العدالة المائية؛ فبينما تنعم بعض الفئات بمياه نظيفة، لا تجد فئات أخرى حتى مياه شرب نظيفة.
يقول هشام عيسى، الخبير البيئي والمناخي، والمنسق المصري السابق لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) لـ"العين الإخبارية" إنّ "منطقة الشرق الأوسط تهتم بقطاع المياه بصورة استثنائية؛ لأنّ المياه صارت تُمثل قضية أمن قومي وتنموي في واحدة من أكثر مناطق العالم جفافًا وندرةً في الموارد المائية؛ فالمنطقة تعتمد على موارد مائية محدودة في مقابل تزايد مستمر في عدد السكان، فضلًا عن الطلب على الغذاء والطاقة والتنمية العمرانية، ما يجعل إدارة المياه تحديًا استراتيجيًا يؤثر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي".
من جانبها، تقول "سارة بن عبد الله"، مسؤولة حملات في غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لـ"العين الإخبارية" إنّ "منطقة الشرق الأوسط ليس فقط الأكثر جفافاً في العالم، بل تضم ست دول التي تتصدر قائمة الإجهاد المائي عالميًا في وقت واحد. هذا ليس تصنيفًا عابرًا، هذا إنذار عن طبيعة التحدي الذي تعيشه المنطقة بأكملها".
وتتابع: "وتُعدّ معدلات الأمطار منخفضة بشكل حرج في معظم دولنا، مثلًا تبلغ ذروة هطول الأمطار السنوي نحو 510 ملم في المملكة العربية السعودية كأعلى معدل، لتنخفض بشكل حاد إلى 161 ملم في الأردن، و64 ملم في عُمان، و44 ملم في الكويت، ولا تتجاوز 29 ملم في قطر والبحرين. يعني أن مجتمعات بأكملها تعيش في حالة عجز مائي هيكلي مزمن. ورسمياً، المنطقة مصنفة تحت "الندرة المطلقة" أقل من 100 متر مكعب للفرد وهو رقم يجعل حد الفقر المائي البالغ 500 متر مكعب يبدو بعيد المنال".
محاولات للتكيّف
وتبذل العديد من الدول العربية محاولات للتأقلم مع ندرة المياه، من خلال حلول وابتكارات مختلفة، منها تحلية المياه كأحد الحلول الواعدة للحصول على كميات أكبر من المياه الصالحة للشرب والاستخدام في مختلف القطاعات، وتزداد الحاجة لتحلية المياه مع زيادة النمو السكاني، وتفاقم ندرة المياه في الشرق الأوسط، فضلًا عن تأثيرات التغيرات المناخية.
لكن على الرغم من ذلك، إلا أنّ هناك بعض العوائق، توضحها "سارة بن عبد الله" في حوارها مع "العين الإخبارية"، قائلة: "ما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا هو أن الحل الذي اعتمدته عدة دول في المنطقة كدول الخليج لتعوّض هذا العجز لمنطقة شديدة الجفاف وهو تحلية المياه لتأمين مياه الشرب، ولتلبية الاحتياجات اليومية للأفراد، والصناعة، والخدمات العامة وهو بحد ذاته معادلة مكلفة طاقيًا وبيئيًا، مما يُوثّق الترابط العضوي بين أزمتَي المياه والطاقة في المنطقة".
وتُضيف: "لذلك، من الضروري أن يحتلّ قطاع المياه وتطوير حلول مستدامة له موقعًا متقدّمًا ضمن أولويات العمل المناخي في المنطقة، وأن يشكّل محورًا أساسيًا في سياسات وقرارات جميع صُنّاع القرار. فحماية مواردنا المائية لم تعد خيارًا، بل ضرورة لضمان مستقبل آمن ومستدام للمياه والطاقة والأمن المجتمعي في منطقتنا".
ويُعلق عيسى، قائلًا لـ"العين الإخبارية": "يشهد الشرق الأوسط توسعًا عمرانيًا وصناعيًا كبيرًا، إضافة إلى ارتفاع الطلب الزراعي؛ إذ يستهلك القطاع الزراعي النسبة الأكبر من الموارد المائية، هذا من شأنه أن يفرض الحاجة إلى تطوير بنية تحتية حديثة لإدارة المياه تشمل التحلية وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي وتقنيات الري الذكي وتقليل الفاقد في الشبكات". ويتابع موضحًا الرابط الوثيق بين قطاع المياه وقطاع الطاقة؛ خاصة أن تحلية المياه ومعالجتها تحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء. ولذلك تتجه دول المنطقة إلى دمج سياسات المياه والطاقة معًا، والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة لتقليل تكلفة التحلية وتحسين الاستدامة البيئية.
وتجدر الإشارة إلى أنّ أسبوع أبوظبي للمياه والطاقة، الذي ينطلق بين يومي 19 إلى 22 مايو/أيار 2026 في مركز أبوظبي الوطني للمعارض بالإمارات العربية المتحدة، وهناك يجمع الأسبوع قادة العالم وصناع القرار والخبراء والمستثمرين؛ للبحث في سياسات المياه والطاقة، ما يُوحي بتآزر قطاعي الطاقة والمياه وأهمية ربطهما ببعض.
إلى مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026
وتستضيف الإمارات بالشراكة مع السنغال "مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026"، في الفترة ما بين 2 و4 ديسمبر/كانون الأول في أبوظبي، ما يجعل أسبوع أبوظبي للمياه والطاقة تمهيدًا لاستقبال المؤتمر نهاية العام، ويهدف المؤتمر هذا العام إلى تنفيذ الهدف رقم 6 من أهداف التنمية المستدامة الـ 17، المتعلق بالمياه والصرف الصحي.
كما من المتوقع مناقشة قضايا تحسين الحوكمة العالمية للمياه، ورفع ملف المياه إلى مستوى أعلى من الأجندة الدولية، ويأتي المؤتمر في الوقت الذي تُعاني فيه المنطقة العربية من ندرة شديدة في المياه، مع تصاعد أزمة المناخ. وتحمل استضافة الإمارات لمؤتمر بهذا الحجم دلالة رمزية؛ إذ أنها من البلدان التي تعاني من ندرة المياه.
ويهدف أسبوع أبوظبي للمياه والطاقة إلى بناء أجندة دولية مبكرة للمياه، ما يساعد في طرح ومناقشة بعض القضايا المتعلقة بالمياه والطاقة، مثل تحلية المياه والأمن الغذائي وتمويل البنية التحتية المائية والتكيّف المناخي، ويوفر مساحة لاجتماع خبراء المناخ والاستدامة والمياه والطاقة ومؤسسات التمويل والمنظمات الدولية المختلفة للمناقشة حول مختلف القضايا، ما يُمهد إلى نقاشات أكثر ثراءً في مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026. كما يسعى إلى ربط المياه بالطاقة النظيفة؛ خاصة وأنّ تحلية المياه تحتاج إلى طاقة ضخمة.