الممرات المائية صراع تشعله حرب إيران.. وجغرافيا جديدة للاقتصاد العالمي
تعد الممرات والمضائق البحرية من أهم العناصر الجيوسياسية في النظام الدولي، حيث تمثل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي وحركة التجارة الدولية ونقل الطاقة.
وتشكل الجغرافيا البحرية نقاط ارتكاز استراتيجية تتحكم في تدفقات السلع والنفط والغاز، وتؤثر بشكل مباشر في ميزان القوى العالمي، فأي اضطراب في هذه الممرات يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، حيث يؤدي تعطيل الملاحة إلى ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، ما يجعل الأمن البحري جزءاً لا يتجزأ من أمن الطاقة العالمي.
ومع تصاعد التطورات الجيوسياسية في المنطقة إثر الهجوم الإسرائيلي-الأمريكي على إيران، بدأت شركات الشحن العالمية في إصدار بيانات بتجنب عبور سفنها لمضيق هرمز، والإبحار في مسارات بديلة.
"تكلفة التأمين على السفن والحاويات والأطقم البحرية، بخلاف رفض بعض شركات التأمين العالمية التأمين ضد مخاطر الحرب سيشكل ضغطا على التجارة العالمية الفترة المقبلة"، وفق تصريحات الخبراء.
أيضا أقساط التأمين تتجه نحو الارتفاع، "السفينة التي تحمل بضائع بقيمة 100 مليون دولار، والتي كانت تدفع في السابق نحو 250 ألف دولار للرحلة، سيتعين عليها الآن دفع 375 ألف دولار"، وفق ما ذكرته فايننشال تايمز.
وفي الوقت ذاته، تتجنب معظم شركات الشحن الكبرى بالفعل المرور عبر قناة السويس- "في الأسابيع التي سبقت الصراع، كانت الغالبية تكتفي بإجراء رحلات تجريبية فقط"، بحسب خبراء ملاحة.
الممرات المائية نقاط اختناق استراتيجية
بداية، قال أستاذ الاقتصاد الدولي، الدكتور كريم العمدة، إن المضائق البحرية تصنف ضمن ما يعرف بنقاط الاختناق، وهي ممرات ضيقة تتحكم في تدفق التجارة العالمية، والسيطرة عليها تمنح تفوقاً استراتيجياً للدول التي تمتلك القدرة العسكرية أو النفوذ السياسي فيها، إذ يمكن استخدامها كوسيلة ضغط اقتصادي أو أداة ردع في الصراعات الدولية.
وأضاف العمدة لـ"العين الإخبارية"، أن هذه النقاط غالباً تقع في مناطق توتر جيوسياسي، ما يجعلها عرضة للتهديدات الأمنية مثل الهجمات البحرية، والألغام، والطائرات المسيرة، والقرصنة، فضلاً عن التهديدات غير التقليدية المرتبطة بالحروب غير المتكافئة، ما يجعل حمايتها أولوية للقوى الكبرى التي تسعى إلى ضمان حرية الملاحة وفقاً للقانون الدولي للبحار.

"وفي الوقت الحالي، هدف إيران هو إحداث غموض كافٍ لخلق صدمة اختناق فعلية"، حسبما قال العمدة. وأضاف أنه سواء كنت تتحدث عن المخاطر الجيوسياسية أو ثقة المستثمرين، فإن هذا يطمس الخط الفاصل بين التوتر الاعتيادي والأزمة، مما يفرض علاوة مخاطر مستمرة في عقود الطاقة، وأسهم شركات الشحن، ومشاريع الموانئ المرتبطة بصادرات الخليج.
مضيق هرمز وأمن الطاقة العالمي
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج العربي إلى الأسواق العالمية، ويقع بين إيران وسلطنة عمان، ويربط الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب، ويتميز بضيق ممراته الملاحية، مما يزيد من حساسيته لأي تهديد عسكري أو أمني.
وتكمن أهمية المضيق في كونه الشريان الرئيسي لصادرات النفط لدول: السعودية والإمارات والكويت والعراق وإيران، إضافة إلى أنه المنفذ الأساسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر، أكبر مصدر له عالمياً، فأي تهديد بإغلاق المضيق، ينعكس فوراً على أسعار النفط العالمية ويثير مخاوف من أزمة طاقة دولية.
وعقب الحرب الأخيرة على إيران، منعت طهران عبور السفن من المضيق، لتتوقف عشرات السفن على جانبي هرمز، وسط توقعات بحدوث أزمة اقتصادية عالمية حال استمرار تلك التهديدات. وأظهرت بيانات رويترز، أمس الأحد، أن ما لا يقل عن 150 ناقلة، تتضمن ناقلات محملة بالنفط الخام والغاز المسال، توقفت في المياه المفتوحة في الخليج العربي خارج هرمز، بينما توقفت عشرات السفن والناقلات الأخرى على الجانب الآخر من المضيق.
تأثير إغلاق هرمز على الاقتصاد العالمي
أكد العمدة، أن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة سيقود حتماً إلى ركود اقتصادي عالمي، إذ تشير تقديرات الأسواق إلى أن توقف هذا الممر الحيوي يعني فقدان نحو ثلث صادرات النفط المنقولة بحراً، ما يمثل صدمة كبيرة لإمدادات الطاقة العالمية لا يمكن تعويضها سريعاً، مشيراً إلى أن تأثيره يمتد إلى موجة تضخمية عالمية، لأن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي، إلى أن كل زيادة بنسبة 1% في أسعار النفط ترفع معدل التضخم العالمي بنحو 0.3 إلى 0.4%، ما يضع ضغوطاً إضافية على الاقتصادات المستوردة للطاقة. وتعد الاقتصادات الصناعية الكبرى الأكثر هشاشة أمام هذه الصدمة، وفي مقدمتها الصين التي تعتمد على مضيق هرمز في تأمين نحو نصف وارداتها النفطية، ما يجعل أي اضطراب فيه تهديداً مباشراً لنموها الصناعي واستقرارها الاقتصادي.
ولفت العمدة، إلى أن المضيق ورقة نفوذ استراتيجية، لكنه يتحول في أوقات الأزمات إلى بؤرة توتر عالمي، خاصة في ظل مسؤولية الأسطول الخامس الأمريكي عن تأمين الملاحة فيه، ما يعني أن أي تصعيد قد يؤدي إلى انتشار عسكري واسع يزيد من احتمالات المواجهة.
ولفت أستاذ الاقتصاد الدولي، إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق، حتى دون تنفيذه، يكفي لرفع مستوى المخاطر الجيوسياسية، ودفع أسعار النفط والتأمين البحري إلى الارتفاع، وإثارة قلق دول المنطقة والاقتصاد العالمي على حد سواء.
يعبر مضيق هرمز يومياً ما يقارب 20 مليون برميل من النفط الخام ومشتقاته، ما يمثل نحو خمس الاستهلاك العالمي خلال الفترة 2024–2025، فضلاً عن كونه ممراً رئيسياً لما يقرب من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، بحسب بيانات إدارة الطاقة الأمريكية.
أما البدائل المتاحة، وعلى رأسها خطوط الأنابيب في السعودية والإمارات، فلا تستطيع نقل سوى ما بين 16 و17% من إجمالي الكميات التي تعبر المضيق، ما يعكس مدى الاعتماد العالمي الكبير عليه وصعوبة تعويضه في حال تعطله.

باب المندب والبحر الأحمر
يمثل مضيق باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ويربطه بالمحيط الهندي عبر خليج عدن، ويُعد حلقة وصل أساسية بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، وتزداد أهمية هذا الممر في ظل مرور نسبة كبيرة من تجارة النفط والسلع العالمية عبر البحر الأحمر.
ويمر عبر قناة السويس نحو 10% من التجارة البحرية العالمية و22% من تجارة الحاويات سنويا، بحسب بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، بينما تظهر بيانات البنك الدولي أن نحو 30% من تجارة النفط و40% من البضائع الجافة تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
وبرزت حساسية مضيق باب المندب في السنوات الأخيرة مع تصاعد التهديدات الأمنية المرتبطة بالصراع في اليمن، حيث استهدفت هجمات بحرية سفناً تجارية، ما دفع شركات شحن عالمية إلى تغيير مساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، وهو طريق أطول وأكثر تكلفة.
وأكدت أستاذ الاقتصاد والطاقة، الدكتورة وفاء علي، أن أي اضطراب في مضيق باب المندب سيكون له تأثير لا يقتصر على أسواق النفط والغاز فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بكافة قطاعاته، نظراً لكونه المدخل الجنوبي لقناة السويس وأحد أهم شرايين التجارة الدولية.
التحول نحو مسارات بديلة
وأوضحت لـ"العين الإخبارية" أن اضطرار السفن إلى التحول نحو طريق رأس الرجاء الصالح يعني إضافة نحو 13 ألف كيلومتر إلى الرحلة، ما بين 10 و14 يوماً إلى زمن الشحن، ما يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤدي في النهاية إلى زيادة أسعار السلع عالمياً، وتزامن ارتفاع كلفة الشحن مع صعود أسعار الطاقة سيشكل ضغطاً تضخمياً كبيراً ويهدد بتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.
وأضافت علي، أن خطورة الوضع تتضاعف إذا تزامن اضطراب باب المندب مع توترات في مضيق هرمز، الذي يمر عبره يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط، إلى جانب قرابة خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وهو ما يجعل أي تعطيل فيه ينعكس فوراً على أسعار النفط والغاز.
وأشارت إلى أن أسعار خام برنت وغرب تكساس الوسيط سجلت أعلى مستوياتها في نحو سبعة أشهر، متوقعة أن يؤدي استمرار استهداف الناقلات إلى ارتفاعات إضافية قد تتجاوز عدة دولارات للبرميل، وفي حال غياب مؤشرات لتهدئة عسكرية قد تتجاوز الأسعار مستوى 80 دولاراً، بينما قد تصل إلى ما بين 108 و120 دولاراً للبرميل في حال حدوث تصعيد واسع، نتيجة ما يعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية.
وأكدت أن قرارات تحالف "أوبك بلس" بزيادة الإنتاج، سواء بنحو 411 ألف برميل يومياً أو نصف مليون برميل أو أكثر، يمكن أن تسهم جزئياً في احتواء ارتفاع الأسعار إذا استهدفت تعويض أي نقص محتمل في الإمدادات، لكنها لن تكون كافية وحدها في حال استمرار التوترات في الممرات المائية الحيوية.
