البيت الأبيض و«أنثروبيك».. من الصدام إلى التهدئة
اعتبر مراقبون أن العلاقة بين الحكومة الأمريكية وشركة الذكاء الاصطناعي أنثروبيك تمر بمرحلة تحول من الصدام إلى التهدئة.
وأشار تقرير نشرته وكالة "أسوشيتد برس" إلى لقاء رفيع المستوى جمع الرئيس التنفيذي للشركة داريو أمودي مع مسؤولين كبار في البيت الأبيض، من بينهم كبيرة موظفي مؤسسة الرئاسة الأمريكية سوزي ويليس، وكذلك وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت.
واعتبر التقرير أن اللقاء لم يكن مجرد اجتماع عادي، بل مؤشر على محاولة إعادة فتح قنوات الحوار بعد فترة من التوتر الشديد.
ووفقاً للتقرير، فقد تركزت المناقشات حول نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد "Mythos" الخاص بالشركة، الذي جذب اهتمام الحكومة الفيدرالية بسبب الطريقة التي يمكن أن يغيّر بها الأمن القومي والاقتصاد.
ونقل التقرير عن مسؤول في البيت الأبيض، طلب عدم كشف هويته، أن الإدارة تتواصل مع مختبرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة بشأن نماذجها وأمن البرمجيات.
وأكد المسؤول أن أي تقنية جديدة قد تُستخدم من قبل الحكومة الفيدرالية ستتطلب فترة تقييم تقنية.
وقال البيت الأبيض لاحقاً إن الاجتماع كان مثمراً وبناءً، حيث نوقشت فرص التعاون بالإضافة إلى هدف تحقيق التوازن بين الابتكار والسلامة.
من جهتها، قالت شركة "أنثروبيك"، في بيان، إن اجتماع أمودي شمل مسؤولين كبارا في الإدارة وناقش كيف يمكن للشركة -مقرها سان فرانسيسكو- والحكومة الأمريكية أن يعملا معاً على أولويات مشتركة رئيسية مثل الأمن السيبراني، وتفوق أمريكا في سباق الذكاء الاصطناعي، وسلامة الذكاء الاصطناعي. وأضافت الشركة أنها "تتطلع إلى مواصلة هذه المناقشات".
وجاء الاجتماع بعد توترات كانت قد تصاعدت بين إدارة ترامب وشركة "أنثروبيك" التي تركز على السلامة، والتي سعت إلى وضع قيود (ضوابط) على تطوير الذكاء الاصطناعي للحد من أي مخاطر محتملة وتعظيم فوائده الاقتصادية والأمنية القومية للولايات المتحدة.
جذور الأزمة
ووفقا لتقرير آخر، نشره موقع "أكسيوس"، تعود جذور الأزمة إلى خلاف جوهري حول كيفية استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي طورتها الشركة، خاصة مع سعي وزارة الدفاع (البنتاغون) إلى استخدام نموذج "Mythos" لاستخدامه في مجالات متعددة، بما في ذلك تطبيقات عسكرية وأمنية. لكن الشركة رفضت إزالة القيود الأخلاقية التي تمنع استخدام تقنياتها في مجالات مثل الأسلحة الذاتية أو المراقبة الواسعة. وهذا الرفض أدى إلى تصعيد حاد، حيث تم تصنيف الشركة كمخاطر على سلاسل التوريد، ما يعني فعلياً استبعادها من التعاون الحكومي.
ورغم الموقف الحكومي المتشدد، فإن الولايات المتحدة، وفقاً للتقرير، بحاجة ماسة إلى تقنيات "أنثروبيك" من جهة أخرى. فالنموذج الذي طورته الشركة هو بالفعل أداة قوية يمكنها اكتشاف الثغرات الأمنية أو حتى استغلالها، ما يجعله سلاحًا ذا حدين -مفيدًا للدفاع، لكنه خطير إذا أسيء استخدامه.
وفي هذا السياق جاء الاجتماع كخطوة عملية لمحاولة التوفيق بين هذه المصالح المتعارضة. فبدلًا من المواجهة القانونية والسياسية المستمرة، هناك اتجاه نحو إيجاد صيغة تعاون تسمح باستخدام التكنولوجيا بشكل محدود أو منظم، مع الحفاظ على بعض القيود التي تفرضها الشركة.
مخاوف في بريطانيا
في سياق متصل، كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية عن تحذيرات كبار المسؤولين الماليين من نموذج "Mythos" التي قالت إنها تعكس قلقاً متزايداً داخل القطاع المصرفي البريطاني من المخاطر التي قد يفرضها هذا التطور التقني، رغم الاستعداد لاستخدامه عملياً في البنوك.
وأشار المقال إلى أن عدداً من البنوك البريطانية، مثل تلك الكبرى في لندن، تستعد للحصول على إمكانات نموذج Mythos، لكن هذا التوسع في الاستخدام يتزامن مع قلق حول قدراته على اكتشاف واستغلال الثغرات في الأنظمة الرقمية، بما في ذلك البنية التحتية الحساسة في القطاع المالي.
وفي حين أن النموذج يتمتع بقدرات متقدمة في تحليل البرمجيات واكتشاف نقاط الضعف الأمنية، وهو ما يجعله أداة محتملة لتعزيز الأمن السيبراني، لكنه قد يُستخدم بشكل ضار إذا وقع في الأيدي الخطأ أو لم تتم إدارته بشكل صحيح. لذلك، يرى المسؤولون أن هذه التقنية تمثل "سلاحًا ذا حدين".
وأشار تقرير الصحيفة إلى أن هذه القضية نوقشت على مستوى دولي خلال اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث أعرب مسؤولون ماليون ومصرفيون مركزيون عن قلقهم من غياب أطر تنظيمية واضحة تحكم استخدام هذا النوع من الذكاء الاصطناعي المتقدم داخل المؤسسات المالية. وقد شدد بعضهم على ضرورة تحقيق توازن بين الابتكار التكنولوجي وبين حماية الاستقرار المالي.