حرب إيران.. أزمة إمدادات الغاز قد تكون أكثر تهديداً من النفط
يستحوذ سعر النفط على معظم الاهتمام المتعلق بالطاقة خلال النزاع الدائر في الشرق الأوسط لأسباب مفهومة.
فالنفط هو السلعة التي يعتمد عليها العالم (ولا يزال)، ولدى المحللين نماذج موثوقة تقريبًا لتأثير كل زيادة قدرها 10 دولارات للبرميل على النمو العالمي والتضخم.
ويقول تقرير لصحيفة الغارديان، إنه في هذا الصدد، تقترب الأسواق من "صدمة النفط"، إذ يُعد ارتفاع يوم الإثنين إلى 79 دولارًا للبرميل، بزيادة قدرها 9% منذ نهاية الأسبوع الماضي، ارتفاعًا كبيرًا، لا سيما وأن السعر كان 62 دولارًا في بداية هذا العام، ولكن يجب التذكير بأن السعر وصل إلى 125 دولارًا بعد فترة وجيزة من الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، واستمر عند أكثر من 100 دولار لمدة ثلاثة أشهر.
في الوقت نفسه، فإن صدمة الغاز، تبدو تهديدًا حقيقيًا وأكثر سوء لقطاع الطاقة من صدمة النفط على العالم في ظل استمرار المواجهات العسكرية بين الحلف الأمريكي الإسرائيلي وإيران.
فقد ارتفعت أسعار الغاز بالجملة في أوروبا بنسبة 73% بعد أن أوقفت شركة قطر للطاقة، أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم، الإنتاج إثر استهداف القواعد الأمريكية على أرضها بغارات جوية إيرانية بطائرات مسيرة.
هذا يعني توقف 20% من إنتاج الغاز الطبيعي المسال العالمي عن العمل دفعة واحدة، وهو ما سيُحدث تغييراً جذرياً في السوق إذا استمر لفترة طويلة، بحسب الغارديان.
والنقطة الأساسية هي أن الغاز الطبيعي المسال القطري لا يمكن تحويل مساره عبر خط الأنابيب، كما هو الحال مع النفط السعودي إلى حد ما؛ إذ يجب أن يمر عبر مضيق هرمز، حيث توقفت الملاحة البحرية بشكل كامل.
تكرار أزمة 2022 بشكل أسوأ
وقال محلل في غولدمان ساكس إن ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا قد يصل إلى 130% إذا انقطعت تدفقات الغاز عبر مضيق هرمز لمدة شهر كامل، وهو "الحد الذي أدى إلى ارتفاع كبير في الطلب على الغاز الطبيعي خلال أزمة الطاقة الأوروبية عام 2022".
في حين عبر محلل من شركة ستيفل، عن الأمر بوضوح أكبر، بقوله "إن محاولة تغيير النظام في إيران تُنذر بتكرار أزمة الطاقة الأوروبية عام 2022، ولكن بشكل أسوأ هذه المرة".
وتقع أوروبا - وآسيا - في قلب أزمة الغاز الطبيعي المسال، لأنهما من كبار مشتري هذا الغاز المتجمد.
فقد جاء حوالي ربع إمدادات الغاز في أوروبا على شكل غاز طبيعي مسال في عام 2025؛ بينما بلغ متوسط بريطانيا 21% خلال السنوات الخمس الماضية، وفقًا للإحصاءات الحكومية.
في الوقت نفسه، انخفضت مستويات تخزين الغاز في أوروبا بعد شتاء بارد، وفي المقابل، تتمتع الولايات المتحدة بوضع ممتاز كمصدر للغاز الطبيعي المسال بعد ثورة الغاز الصخري التي شهدتها خلال العقدين الماضيين.
وبالنسبة للمملكة المتحدة، ثمة عزاءٌ بسيط في انخفاض اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال القطري مقارنةً بعام 2022، فقد زودت قطر المملكة المتحدة بنحو 6.5% من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال خلال العام الماضي، وفقًا لشركة كورنوال إنسايت لتحليل الطاقة، مقارنةً بنحو 69% من الولايات المتحدة منذ عام 2023.
مع ذلك، يُعدّ الغاز الطبيعي المسال سوقًا عالميًا، ومن الشائع فيه، لا سيما في أوقات الأزمات، تحويل مسار الشحنات أثناء نقلها من آسيا إلى أوروبا، أو العكس، نظرًا لإمكانية الحصول على سعر أفضل في الجانب الآخر من العالم.
وكما كان الحال في عام 2022، فإن ارتفاع أسعار الغاز بالجملة يُترجم سريعًا إلى ارتفاع فواتير المستهلكين.
وستكون المتغيرات الرئيسية، بطبيعة الحال، هي مدة توقف الإنتاج القطري، ومدة إغلاق مضيق هرمز فعلياً، وهنا الفرق بين أسبوع وشهر ستكون له أهميته.
ومن حيث الأرقام، بلغ سعر الغاز في المملكة المتحدة 75 بنساً للوحدة الحرارية يوم الجمعة الماضي، ووصل إلى 114 بنساً أمس الاثنين.
ولا يزال يتعين عليه الوصول إلى 250 بنساً - والبقاء عند هذا المستوى لفترة - لمضاهاة حدة أزمة 2022.
ولكن فجأة، وكما تحذر شركة ستيفل، لم يعد من المستبعد أن ترتفع فواتير الطاقة المنزلية مجدداً، مما سيسبب مجموعة جديدة من المشاكل لحكومة (مثل الحكومة السابقة) وضعت موثوقية الغاز الطبيعي المسال وتوفيره بأسعار معقولة في صميم سياستها الطاقية.
جرس إنذار لمستهلكي الغاز
في السياق نفسه، قال تقرير لصحيفة فايننشال تايمز، إنه لعقود طويلة، انصبّ تركيز العالم بشكل كبير على احتمالية اضطراب سوق النفط في حال إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط، وهذا أمر مفهوم، إذ يمرّ خُمس النفط العالمي عبر هذا الممر المائي الضيق الذي تحدّه إيران، مقارنةً بنحو 3% فقط من استهلاك الغاز العالمي.
لكن هذه الإحصائيات تُخفي حقيقة أن الغاز، وليس النفط، هو الأكثر عرضةً لتأثير إغلاق المضيق.
وتقارن الصحيفة، كيف ارتفعت أسعار الغاز الفورية في مركز TTF الأوروبي بحوالي 50% يوم الإثنين بعد أن دفعت الهجمات الإيرانية قطر إلى إغلاق منشآت الإنتاج، بينما لم يرتفع سعر خام برنت القياسي إلا بنسبة 6% فقط.
وتُقلّل أرقام الصادرات عبر المضيق بشكل كبير من أهميته لسوق الغاز، فمعظم الغاز إما يُستهلك في مكان إنتاجه، ولا يُحوّل سوى 10-15% منه إلى وقود فائق التبريد يُمكن تحميله على ناقلات النفط وتداوله بحرية.
لذا، فإن ما يقارب 3% من استهلاك الغاز العالمي الذي يمر عبر مضيق هرمز - أي 86 مليون طن سنوياً، معظمها من الغاز الطبيعي المسال القطري، وفقاً لبيانات ستاندرد آند بورز - يعادل خُمس سوق الغاز المنقول بحراً الذي تعتمد عليه دول مثل الصين واليابان والاتحاد الأوروبي.
وثمة فرق جوهري آخر بين أسواق النفط والغاز: فقد أدرك العالم اعتماده على النفط، لكنه لم يُدرك بعد اعتماده على الغاز.
وأبرز مثال على ذلك هو وجود احتياطيات نفطية استراتيجية في الولايات المتحدة وحول العالم.
فالدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لديها حالياً مخزونات نفطية استراتيجية تكفي لتغطية احتياجاتها من الاستيراد لمدة 613 يوماً.
كما تعمل الصين أيضاً على زيادة مخزوناتها، التي تُقدر حالياً بما بين 1.1 و1.2 مليار برميل، أي ما يعادل أكثر من 10 أيام من استهلاك النفط العالمي.
وتقول الصحيفة إنه مع الوضع في الاعتبار هذه المعطيات، قد يكون إغلاق مضيق هرمز جرس إنذار لمستهلكي الغاز لإيجاد بدائل لسلاسل التوريد بعيدا عن المجرى الحيوي.