نار الحرب تطول الأسواق.. النفط يقفز والبورصات تدخل موجة اضطراب واسعة
مع تنفيذ الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما مباشرا على إيران، دخلت منطقة الشرق الأوسط في مواجهة مفتوحة، لتنتقل التداعيات سريعا من الجغرافيا السياسية إلى قلب الأسواق العالمية.
ومع اتساع نطاق المواجهة في منطقة تعد من أهم مناطق الطاقة في العالم، ارتفعت علاوة المخاطر الجيوسياسية بشكل حاد، ما انعكس فورا على تسعير الأصول المالية، لتشهد الأسواق إعادة تسعير شاملة للمخاطر، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الدولي أصلاً من ضغوط تضخمية وتشديد نقدي وتباطؤ في النمو.
هزات عنيفة في الأسواق
وقالت خبيرة أسواق المال المصرية، حنان رمسيس، إن الأحداث الجارية تسببت في تداعيات عنيفة بأسواق المال العربية والعالمية في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية الأخيرة، حيث تمر الأسواق بحالة من التذبذب وإعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية هرباً من المخاطر.
وأوضحت رمسيس لـ"العين الإخبارية"، أن تأثير الأحداث السياسية والهجمات بالمسيرات الإيرانية انعكس بشكل مباشر وفوري على الأسواق، حيث علق بعضها التداول بشكل مؤقت، بينما شهد الآخر تداولات ضعيفة وتراجعا في المؤشرات رغم تماسكها النسبي اليوم، إلا أن بورصة تل أبيب شهدت ارتفاعاً بنسبة 4%، بينما استهلت البورصة الأمريكية جلساتها على هبوط.
في السعودية، اختتم المؤشر الرئيسي تداولاته دون تغيير في ظل تقلبات حادة، بعد يوم من انخفاضه بأكثر من 2%، إلا أن سهم عملاق النفط أرامكو صعد 1.5%، مواصلا مكاسبه من الجلسة السابقة، عندما صعد 3.4%.
وقفزت أسعار النفط 7% إلى أعلى مستوياتها في أشهر الإثنين، مع تصعيد إيران وإسرائيل هجماتهما في الشرق الأوسط، ما عرض ناقلات نفط لأضرار وعطل شحنات من المنطقة، المنتجة الرئيسية للخام.
إيقاق مؤقت للتداول
وانخفض المؤشر الرئيسي في بورصة قطر بنسبة 4.3%، مسجلاً أكبر تراجع يومي له منذ مارس/آذار 2020، بعد أن كانت السوق مغلقة الأحد بسبب عطلة مصرفية، وجاء الهبوط مدفوعاً بتراجع واسع في الأسهم القيادية.
في المقابل، أعلنت هيئة الأوراق المالية والسلع في الإمارات إغلاق سوقي أبوظبي ودبي الماليين الإثنين والثلاثاء، استناداً إلى دورها التنظيمي والإشرافي على الأسواق، في خطوة احترازية تهدف إلى الحد من التقلبات الحادة وحماية المستثمرين في ظل التطورات الجيوسياسية المتسارعة.
أما في الكويت، فقد استأنفت البورصة التداول بعد تعليقها الأحد بسبب ما وصفته بـ"الظروف الاستثنائية"، حيث قلص المؤشر العام خسائره إلى 1.9% بعد أن تراجع بنسبة 3.6% في بداية الجلسة.
صدمة اقتصادية أوسع نطاقا
وفيما يتعلق بالبورصة المصرية، قالت رمسيس، إنها تشهد عملية "إعادة هيكلة" لمحافظ المتعاملين، ورغم تدخل المؤسسات المحلية لإسناد السوق، ما قلص خسائر المؤشر ليرتد من مستوى 46 ألف نقطة إلى 47200 نقطة، إلا أن هناك ضغوطاً بيعية مكثفة من قبل المستثمرين وصناديق الاستثمار العربية والأجنبية نتيجة مخاوف التصعيد.
وأضافت خبيرة أسواق المال، أن المستثمرين يستغلون تراجع أسعار الأسهم لمستويات الدعم للشراء بغرض المضاربة، وليس بغرض الاحتفاظ والاستثمار، ما أدى إلى زيادة حدة التذبذب وسرعة الدخول والخروج من السوق".
وحذرت من أن إغلاق السوق لفترات طويلة في أوقات الأزمات قد يؤدي إلى خسائر حادة عند إعادة الفتح، مستذكرة ما حدث إبان ثورة يناير حينما فقدت البورصة آلاف النقاط في أيام معدودة.
خريطة الاستثمار تتغير
وأكدت رمسيس أن الأزمات الحالية غيرت خريطة الاستثمار، حيث يتجه المستثمرون للتخارج من الأصول عالية المخاطر واللجوء إلى "الملاذات الآمنة" مثل سندات الخزانة، الذهب، الفضة، والعقود الآجلة للنفط.
ولفتت إلى أن محدودية الخيارات الاستثمارية في السوق المصرية، كغياب المشتقات المالية وصعوبة تداول سندات الخزانة للمواطن العادي، جعلت الذهب هو الملاذ الاستثماري الأول للمصريين، ما يفسر الارتفاعات المستمرة في أسعاره تزامناً مع الشاشات العالمية.
القطاعات الرابحة والخاسرة من الحرب
وحول التأثير القطاعي على المستوى العالمي، أوضحت رمسيس أن هناك قطاعات تتكبد خسائر فادحة وأخرى تستفيد من الأزمة، فالقطاعات الخاسرة تتصدرها، الطاقة والأسمدة، والبتروكيماويات، نظراً لتأثرها المباشر بتعطل سلاسل الإمداد والتغيرات في حركة التجارة.
أما القطاعات الرابحة، فتشمل الأغذية والمشروبات، سلاسل الإمداد (تجارة الجملة والتجزئة)، قطاع العقارات (كملاذ آمن لتخزين القيمة)، بالإضافة إلى قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الذي يشهد طفرة كونه المحرك الأساسي للتقنيات العسكرية الحديثة مثل الطائرات المسيرة.
وأكدت أن رأس المال يتطلب الاستقرار والأمان والرؤية المستقبلية، موضحة أن استعادة البورصات لعافيتها مرهون بأمرين؛ إما اعتياد الأسواق على الأخبار، كما حدث في حربي "روسيا وأوكرانيا" وغزة، أو ظهور بوادر انفراجة ومفاوضات للتهدئة السياسية، مؤكدة أن الاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة.