الحرب الأمريكية الإسرائيلية على نظام ملالي إيران تعود في أبرز أسبابها إلى ملف تخصيب اليورانيوم ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وهو هدف رئيسي للولايات المتحدة وإسرائيل.
كما تشمل الأسباب قدرات إيران العسكرية والصاروخية، والحد من قدرتها على استهداف الحلفاء، وكبح نفوذها وأذرعها في المنطقة، خاصة في العراق ولبنان والحوثيين في اليمن، وأيضًا في دعم حماس، إلى جانب أمن الخليج وتهديدات الملاحة؛ حيث دخل مضيق هرمز في صلب المعادلة بأبعاده الدولية والعالمية.
ما يميز هذه المرحلة هو انتقال مركز الأهداف من مجرد استهداف القدرات إلى صراع على "أوراق النصر" ذاتها؛ فلم يعد ملف اليورانيوم وحده هو المحدد، بل برز مضيق هرمز كورقة موازية لا تقل أهمية، بوصفه شريان الطاقة العالمي وأداة ضغط جيوسياسي كبرى. وبين هذين المسارين، تتشكل معادلة معقدة يتداخل فيها الأمن العسكري مع الاقتصاد العالمي، وتُطرح تساؤلات جوهرية: أين يُكتب النصر فعليًا؟ في أجهزة الطرد المركزي، أم على ضفاف هرمز، حيث تمر مصالح العالم من الطاقة والسلع والتجارة؟
مسار التفاوض وفشل نظام الملالي
اتفقت إيران والولايات المتحدة في 7 أبريل/نيسان، عبر الوسيط الباكستاني، على وقف إطلاق نار مشروط لمدة أسبوعين، يُسمح خلاله بمرور حركة الشحن عبر مضيق هرمز. وجاء ذلك بعد أربعين يومًا من الهجمات المنسقة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وقبل ساعات من تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن "حضارة كاملة ستفنى الليلة" إذا لم يُفتح المضيق، حيث كانت الضربات ستستهدف الجسور ومحطات الطاقة والبنية التحتية.
جاء الاتفاق نتيجة تفاهم محدود في اللحظات الأخيرة؛ إذ وافقت واشنطن على تعليق ضربات كانت تستهدف البنية التحتية الإيرانية، مقابل ترتيبات مرتبطة بمضيق هرمز.
وقد دعت باكستان، الوسيط في المفاوضات، الوفود إلى الاجتماع في إسلام آباد يوم الجمعة 10 أبريل-الذي تم في 11 أبريل- لمواصلة التفاوض نحو اتفاق نهائي. غير أن هشاشة التفاهم سرعان ما ظهرت؛ إذ لم تشمل ترتيبات وقف إطلاق النار جميع ساحات التوتر.
فلم تمضِ 24 ساعة على إعلان الهدنة حتى شنت إسرائيل ضربات على لبنان مستهدفة حزب الله، في خطوة اعتبرها النظام الإيراني خرقًا للاتفاق، في وقت استمرت فيه طهران بمهاجمة دول الخليج بعد الهدنة.
ويبدو أن إصرار تل أبيب على تحقيق الأمن على حدودها قد يقود إلى اتفاق مع لبنان برعاية أمريكية، يهدف إلى تأمين الحدود وتفكيك حزب الله، إلا أن هذه المحاولة قد تصطدم بواقع محدودية قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ ذلك.
الرواية الإيرانية: "نصر سياسي"
سارعت طهران إلى تقديم وقف إطلاق النار بوصفه انتصارًا استراتيجيًا، معتبرة أن واشنطن تراجعت أمام صمودها، رغم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة.
وتطرح إيران هذا كنصر بقاء للنظام. وتؤكد روايتها أن الولايات المتحدة اضطرت للقبول بمقترحات غير مباشرة، رغم ما يحمله هذا الخطاب من مبالغة دعائية معتادة في زمن الحرب. وتتعامل إيران مع الهدنة كفرصة لإعادة صياغة قواعد اللعبة، ساعية إلى:
رفع العقوبات بالكامل.
الاعتراف بحق التخصيب النووي.
الحصول على تعويضات.
بقاء دعمها لحلفائها الإقليميين.
تعزيز دورها في مضيق هرمز عبر ترتيبات رسمية.
معضلة الكسب والخسارة في المفاوضات
فشل المفاوضات كشف عن معضلة عميقة؛ إذ ترى إيران أن التخلي عن برنامجها النووي أو تقليص نفوذها في هرمز يمثل تنازلًا وجوديًا يهدد بقاء النظام، بينما ترى واشنطن أن بقاء هذه الأوراق بيد طهران يعني استمرار تهديد طويل الأمد للاستقرار الإقليمي، ويعزز النفوذ الصيني في الخليج.
حيث باتت طهران تربط أمن الملاحة فيه بشروط تفاوضية تمنحها نفوذًا استراتيجيًا على أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. وتسعى إيران إلى إعادة تموضعها عبر التمسك بورقة اليورانيوم، وارتداء "قبعة حارس هرمز" كرمز للنصر ومصدر نفوذ وعائد اقتصادي.
غير أن هذه المعادلة تبدو غير مقبولة لدى واشنطن، لأنها تعزز موقع الصين عبر شريكها الإيراني في الخليج.
فمضيق هرمز يمثل أهم نقطة اختناق (chokepoint) في الاقتصاد العالمي، وفي هذا السياق، تحوّل مضيق هرمز إلى ورقة مركزية في معادلة دولية معقدة؛ إذ يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة، إلى جانب حركة تجارية كثيفة. وحسب تقديرات وقراءة مؤسسة راند الأمريكية حول مضيق هرمز لا تقتصر المخاطر على الإغلاق الكامل، بل تشمل التعطيل الجزئي، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، واستخدام المضيق كورقة ضغط سياسية، وتشير تقديرات "راند" إلى أن إيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل؛ بل يكفي جعله ممرًا خطرًا أو مشروطًا لتحقيق الأثر ذاته.
بناءً على ذلك، يُتوقع أن تسعى واشنطن إلى فرض سيطرة فعلية على المضيق عبر تعزيز الوجود البحري، ومرافقة ناقلات النفط، وتأمين الملاحة الدولية، بما يؤدي عمليًا إلى سحب هذه الورقة من يد طهران. وغالبًا ما يُفرض هذا الواقع عبر موازين القوة والتحالفات، في ظل صعوبة صدور غطاء دولي صريح بسبب مواقف روسيا والصين واستخدام الفيتو في مجلس الأمن.
وفي خضم هذه المعادلة، وعلى جانب آخر، تتطلع شعوب المنطقة، بما فيها الشعب الإيراني، إلى مستقبل مختلف، بعيدًا عن استنزاف الموارد وتعطيل التنمية، في ظل نظام يواجه تحديات داخلية وخارجية متراكمة ويعد خارجا عن سياق المبادئ الدولية في السيادة والأمن.
يتضح بدون أي جدل، أن السيطرة على مضيق هرمز تمثل محورًا حاسمًا في معادلة النصر؛ إذ إن فقدان هذه الورقة سيقلّص قدرة النظام الإيراني على التأثير في مجريات الصراع. وعندها، لن يبقى أمامه سوى خيارات تصعيدية عالية المخاطر، سواء عبر استهداف دول الجوار أو المواجهة المباشرة مع واشنطن في مياه الخليج، أو تحريك جبهات أخرى كالحوثيين نحو باب المندب.
ولعل الخيار الأكثر عقلانية للنظام يتمثل في القبول بالشروط الأمريكية والانخراط في تحول سياسي يغير هوية النظام الإيراني حفاظًا على وحدة الشعوب الإيرانية وتحقيق أسس الحياة والتنمية، الأمر الذي يقود إلى تجنّب المنطقة مزيدًا من التصعيد، خاصة مع اقتراب انتهاء مهلة الهدنة 21 أبريل/نيسان، غير أن الواقع يكشف أن النظام الثيوقراطي اختار اختبار بقائه على حساب وحدة إيران وشعوبها.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة