ما يجري داخل الحرس الثوري الإيراني لا يشبه مزاعمه حول "الصمود" في وجه الحرب، فالواقع يزيح الستار عن موجة فرار تكشف كواليس التصدع.
هذا ما بدا جليا في رواية ضابط برتبة رائد في الحرس الثوري الإيراني لموقع "الحرة"، فضّل استخدام اسم مستعار هو “مراد”، حيث كشف في حديثه عن كواليس مختلفة تماما عما يُعلن رسميا.
يقول الضابط في مقابلته التي طالعتها "العين الإخبارية" في موقع الحرة "بعد وقف إطلاق النار في أبريل (نيسان) الماضي، غادرت قاعدتي العسكرية على مشارف طهران بحجة مرض ابني، ولم أعد قط".
مراد، وهو من أصل أذربيجاني، فرّ قبل نحو أسبوعين مع عائلته برا إلى أذربيجان. وهو واحد من بين آلاف عناصر الحرس الثوري الذين يغادرون مواقعهم يوميا منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أواخر فبراير/شباط الماضي.
يضيف"يختبئ قادة الحرس الثوري وكبار ضباطه في مناطق آمنة بعيدة عن القصف، برفقة عائلاتهم، بينما يزجون بنا - نحن الضباط والجنود ذوي الرتب الأدنى - في أتون النيران داخل قواعد يعلمون أنها ستُقصف. إنهم يستخدموننا كدروع بشرية. ولا يكتفون بذلك، بل يعتقلون الضباط والجنود الذين ينتقدون أفعالهم، ويفبركون ضدهم تهم التجسس".
ملاحقات.. والتهم جاهزة
ويشير مراد إلى أن خوفه من الاعتقال ازداد في الأيام التي سبقت هروبه، عندما اعتقلت وحدة من استخبارات الحرس الثوري 20 ضابطا وجنديا من زملائه بتهمة التعاون والتواصل مع الموساد، واقتادتهم إلى مكان مجهول.
وأوضح أن المعتقلين طالبوا بتحسين الوجبات المقدمة في القاعدة، ومراعاة الظروف التي يواجهها الضباط والجنود أثناء الحرب وتحت وطأة الغارات الجوية الكثيفة.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ يشير إلى أن أي انتقاد لقرارات القيادة يُقابل بإجراءات صارمة، تصل إلى الاعتقال وتوجيه تهم جاهزة مثل "التجسس"، في محاولة لإسكات الأصوات المعترضة داخل المؤسسة.
"أعيش حاليا مع أقارب والدي في أذربيجان. حالتي النفسية مضطربة، وأخشى أن يلاحقني هنا فيلق القدس والمخابرات الإيرانية. آمل أن يسقط النظام الحاكم في إيران لأتمكن من العودة مجددا"، هكذا أضاف.
انشقاقات أكبر.. والأرقام يحبسها انقطاع الإنترنت
وبحسب ما نقله موقع الحرة عن قادة في المعارضة الإيرانية، فإن آلاف الضباط والجنود انشقوا منذ بداية هذا العام عن الحرس الثوري وقوات الباسيج لأسباب مختلفة.
بعض هذه الأسباب يتعلق بمعارضتهم لقرارات الحرس بإطلاق النار على المتظاهرين، ورفضهم المشاركة في العمليات الميدانية في المناطق الكردية والأهواز وبلوشستان.
في حين فرّ آخرون خوفا من استهدافهم بالغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية، بعد مقتل معظم قادة الحرس الثوري، من القدامى والحاليين. وانشقّت مجموعة أخرى بسبب انخفاض رواتبهم وتقليص المزايا التي كانوا يحصلون عليها سابقا.
وتؤكد المصادر نفسها أن المنشقين الذين يغادرون إيران يستقرون مؤقتا في الدول المجاورة، وتُعد أذربيجان وأرمينيا وأفغانستان وتركيا وجهاتهم الرئيسية. بينما يختبئ آخرون داخل إيران.
ويؤكد جميل أحمدي، وهو ناشط سياسي كردي معارض يقيم في أوروبا، أن عدد المنشقين كبير جدا. إلا أن قطع السلطات للإنترنت لأكثر من شهرين، فضلا عن حالة العسكرة في إيران، يحولان دون وصول معلومات كاملة عن هذه الانشقاقات إلى العالم الخارجي.
وقال أحمدي للحرة: "ينتمي المنشقون عن الحرس الثوري وقوات الباسيج إلى جيلين: الجيل الأكبر سنا برتب عالية تبدأ من رتبة مقدم فما فوق، والجيل الأصغر سنا برتب أدنى، من أفراد وجنود، وهم يشكلون غالبية المنشقين حتى الآن. وقد انشق معظمهم هربا من المساءلة عن عدم تنفيذ الأوامر أو أداء المهام الموكلة إليهم خلال الحرب، لا سيما تلك المتعلقة بالقمع الداخلي".
وأضاف أحمدي أن العديد من المنشقين الذين لا يستطيعون مغادرة إيران لجأوا إلى مناطق ومدن أخرى غير مناطقهم الأصلية، خوفا من الملاحقة الأمنية.
من هو الحرس الثوري؟
وعلى مدار أكثر من 47 عاما من الحكم في ظل نظام المرشد، نما الحرس الثوري من قوة صغيرة إلى شبكة استخباراتية معقدة تجمع بين الأيديولوجيا والتسليح والسياسة والاقتصاد.
ولا يقتصر عمله على إيران فحسب، بل تمتد عملياته وفروعه الفوضوية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا الجنوبية وأوروبا.
ولدى الحرس الثوري قوات برية وبحرية وجوية، بالإضافة إلى قوات فضائية تشرف على برنامج الصواريخ الإيراني ويتحكم به. كما يندرج البرنامج النووي الإيراني تحت إشرافه.
وتصنفه دول عديدة حول العالم "منظمة إرهابية"، في وقت تتزايد فيه التحركات في بلدان أخرى من أجل الخطوة نفسها.