أثار ظهور حيوان غريب في إحدى مناطق مدينة أبشواي بمحافظة الفيوم في مصر حالة من القلق بين بعض الأهالي.
وتداول الأهالي صورا ومقاطع فيديو له دون أن يتمكن كثيرون من التعرف عليه. وسرعان ما انتشرت تكهنات حول طبيعته، قبل أن يتبين لاحقا أن الزائر الغامض ليس سوى النمس المصري، أحد الحيوانات البرية المعروفة في الريف المصري منذ آلاف السنين.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف تحول حيوان مألوف في الأراضي الزراعية إلى "مخلوق غريب" يثير الذعر عند ظهوره في منطقة سكنية؟
ما هو النمس المصري؟
والنمس المصري، حيوان ثديي ينتمي إلى فصيلة النموسيات، ويعيش في مناطق واسعة من مصر وشمال أفريقيا، و يتميز بجسم طويل وأرجل قصيرة وذيل كثيف، ويتغذى على القوارض والثعابين والحشرات والطيور الصغيرة.
ولطالما اعتُبر النمس صديقا للفلاحين بسبب دوره في الحد من أعداد الفئران وبعض الآفات الزراعية. كما عرفه المصريون القدماء، وظهرت له رسوم ونقوش في بعض الآثار المصرية القديمة.
لماذا ظهر في منطقة سكنية؟
ويقول د.محمد قدري، أستاذ علم الحيوان بجامعة القاهرة، إن السبب الأكثر ترجيحا ليس زيادة أعداد النمس، بل تراجع موائله الطبيعية واقتراب العمران من مناطق معيشته التقليدية.
ويوضح أن "الدراسات البيئية تشير إلى أن التوسع العمراني يعد أحد أهم أسباب اضطرار الحيوانات البرية إلى مغادرة بيئاتها الأصلية، وعندما تتحول الحقول والأراضي الزراعية إلى مبانٍ وطرق، تجد هذه الحيوانات نفسها محاصرة في مساحات أصغر، أو مجبرة على البحث عن الغذاء والمأوى في مناطق جديدة، قد تكون مأهولة بالسكان".
وفي محافظة الفيوم، كما في العديد من المناطق الزراعية المصرية، أدى الزحف العمراني خلال العقود الأخيرة إلى تقليص مساحات من الأراضي الزراعية، ما يزيد احتمالات ظهور بعض الحيوانات البرية على أطراف المدن والقرى.

هل أصبح النمس نادرا؟
وتشير تقارير بيئية إلى أن النمس المصري لا يزال موجودا في مصر، لكنه أصبح أقل مشاهدة في كثير من المناطق مقارنة بالماضي. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، منها فقدان الموائل الطبيعية، واستخدام المبيدات الزراعية، والصيد غير المنظم في بعض المناطق.
ويؤكد د.قدري أن قلة مشاهدة الحيوان لا تعني اختفاءه، بل قد تعكس تراجع أعداده أو ابتعاده عن المناطق التي اعتاد البشر رؤيته فيها.
هل يشكل خطر على الإنسان؟
وفي الظروف الطبيعية، لا يُعرف عن النمس المصري أنه حيوان عدواني تجاه البشر. فعادة ما يفضل الهروب والاختباء عند الشعور بالخطر.
لكن مثل أي حيوان بري، قد يدافع عن نفسه إذا حُوصر أو تعرض للاستفزاز. لذلك ينصح الخبراء بعدم الاقتراب منه أو محاولة الإمساك به، وإتاحة الفرصة له للعودة إلى بيئته الطبيعية.

لماذا ظنه الأهالي مخلوقا غريبا؟
وتكشف الحادثة عن ظاهرة أوسع تتكرر في كثير من الدول، وهي أن تراجع الاحتكاك بالحياة البرية يجعل الأجيال الجديدة أقل قدرة على التعرف على الحيوانات المحلية.
فالحيوان الذي كان مألوفا للفلاحين وسكان الريف قبل عقود أصبح اليوم نادر الظهور بالنسبة لكثير من السكان، خاصة في المناطق التي شهدت توسعا عمرانيا واسعا. وعندما يظهر فجأة داخل منطقة سكنية، يبدو وكأنه كائن غريب أو وافد من مكان بعيد.
رسالة من الطبيعة
قد لا تكون قصة النمس في أبشواي مجرد حكاية عن حيوان أثار الذعر لساعات، بل ربما تكون إشارة إلى تغير أعمق يحدث في المشهد البيئي المصري. فكلما تقلصت المساحات الزراعية والطبيعية، زادت فرص التقاء البشر بحيوانات كانت تعيش بعيدا عن الأنظار.
وبينما ظنه البعض "مخلوقا غريبا"، فإن الحقيقة أن النمس كان موجودا في المكان نفسه منذ زمن طويل، لكن الذي تغير هو حدود العمران، لا حدود الطبيعة.