يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معادلة شديدة التعقيد متعلقة بالتعامل مع الملف النووي الإيراني، وسط حرب مستمرة منذ 11 يوما.
ووفقا لمجلة نيوزويك الأمريكية، تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام تساؤل مصيري يتمثل في ما إذا كانت ستلجأ إلى الخيار العسكري لتدمير البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل، أو ستكتفي بسياسة الاحتواء عبر الضغوط السرية، أو ربما تسعى إلى إعادة طهران إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر صرامة.
غير أن المأزق الحقيقي الذي يحيط بهذه الخيارات يتمثل في خطر الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة قد يصعب احتواؤها، في وقت لا تحظى فيه أي مواجهة طويلة بشعبية تُذكر داخل الولايات المتحدة.
ومع تعمق الصراع وتزايد الضغوط السياسية والعسكرية، تتبلور أمام البيت الأبيض خمسة مسارات رئيسية قد تحدد المرحلة المقبلة من المواجهة مع إيران، تتراوح بين التصعيد العسكري المباشر والحرب الخفية والدبلوماسية، وصولاً إلى سيناريوهات أكثر غموضاً تتعلق بتغيير النظام من الداخل.
تصعيد حملة القصف
أحد الخيارات الأكثر وضوحاً أمام واشنطن يتمثل في تكثيف الحملة الجوية ضد البنية التحتية النووية والعسكرية الإيرانية، بهدف تقويض قدرة طهران على تطوير سلاح نووي ومنعها من إعادة بناء قدراتها المتضررة.
وشهدت الأيام الأخيرة بالفعل تصعيداً في هذا الاتجاه، حيث تعرضت منشأة للتعقيم بالإشعاع في مدينة أصفهان لضربات صاروخية عنيفة، وفق ما أوردته وكالة أنباء الطلبة الإيرانية.
ويأتي هذا التصعيد امتداداً لعملية عسكرية واسعة النطاق نفذتها الولايات المتحدة في يونيو/حزيران الماضي، عُرفت باسم عملية "مطرقة منتصف الليل"، واستهدفت مواقع نووية رئيسية في منشأة فوردو لتخصيب الوقود ومنشأة نطنز النووية ومدينة أصفهان.
واستخدمت في تلك العملية قاذفات الشبح الأمريكية من طراز بي–2 سبيريت المزودة بقنابل خارقة للتحصينات، إلى جانب صواريخ كروز من طراز توماهوك أُطلقت من غواصات أمريكية.
ورغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بهذه المنشآت، فإن الهدف الاستراتيجي المتمثل في القضاء الكامل على البرنامج النووي الإيراني لم يتحقق، إذ تشير التقديرات إلى أن كميات من اليورانيوم المخصب ما تزال مدفونة تحت أنقاض المواقع المستهدفة، وهو ما يبقي البرنامج النووي الإيراني قادراً على التعافي جزئياً.
إرسال قوات برية أمريكية
السيناريو الثاني، والأكثر جرأة وخطورة، يتمثل في نشر قوات برية أمريكية داخل الأراضي الإيرانية. وحتى الآن اعتمدت واشنطن بشكل أساسي على القوة الجوية والبحرية، لكن بعض المسؤولين يرون أن السيطرة الفعلية على أجزاء من البرنامج النووي قد تتطلب وجوداً ميدانياً مباشراً.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن ترامب أبدى، خلال جلسات مغلقة، اهتماماً بإمكانية إرسال قوات محدودة لتنفيذ مهام محددة، مثل تأمين المواد النووية أو السيطرة على مواقع التخصيب المتضررة أو منع نقل مخزونات اليورانيوم المخصب.
غير أن هذا الانتشار، حتى وإن كان محدوداً، قد يفتح الباب سريعاً أمام حرب أوسع نطاقاً.
فإيران دولة واسعة المساحة وتملك قوات عسكرية كبيرة وبنية دفاعية معقدة، ما يجعل أي تدخل بري محفوفاً بمخاطر التورط في صراع طويل ومكلف، قد يعيد إلى الأذهان تجارب عسكرية أمريكية سابقة في المنطقة.
الحرب الخفية والعمليات السيبرانية
في مواجهة مخاطر التصعيد العسكري المباشر، يبرز خيار ثالث يعتمد على تصعيد الحرب الخفية ضد إيران عبر الأدوات السيبرانية والعمليات الاستخباراتية السرية.
ويقوم هذا النهج على محاولة إبطاء البرنامج النووي الإيراني دون الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة على الأرض.
وقد تستهدف مثل هذه العمليات أنظمة الاتصالات العسكرية أو البنية التحتية للطاقة أو المعدات المستخدمة في تخصيب اليورانيوم، إضافة إلى عمليات تخريب لسلاسل الإمداد المرتبطة بالبرنامج النووي.
هذا النهج ليس جديداً؛ ففي عام 2010 أدى فيروس ستوكسنت السيبراني، الذي يُعتقد على نطاق واسع أنه طُوّر بتعاون بين الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى تعطيل مئات أجهزة الطرد المركزي في منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، ما ألحق أضراراً كبيرة بالبرنامج النووي الإيراني آنذاك.
غير أن فعالية هذا الخيار اليوم قد تكون أقل مما كانت عليه في الماضي، بعدما طورت إيران دفاعاتها السيبرانية وتعلمت التكيف مع مثل هذه الهجمات.
التفاوض على اتفاق مع إيران المُنهكة
رغم التصعيد العسكري، لا يزال الخيار الدبلوماسي مطروحاً على الطاولة. فقد جرت قبل أسابيع قليلة من اندلاع المواجهة الأخيرة مفاوضات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في كل من مسقط وجنيف خلال شهري يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط، واعتُبرت حينها فرصة أخيرة لتجنب المواجهة العسكرية.
اليوم، قد تكون المعادلة مختلفة. فالضربات العسكرية التي استهدفت البنية التحتية النووية، إلى جانب العقوبات الاقتصادية المتواصلة والأزمة الداخلية المتفاقمة، ربما أضعفت موقف إيران التفاوضي.
ووفق نيوزويك، قد يمنح ذلك واشنطن فرصة للضغط من أجل اتفاق نووي أكثر صرامة يتضمن قيوداً أشد على التخصيب، وتفتيشاً دولياً موسعاً، وربما قيوداً إضافية على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني.
فرض تغيير النظام
أما السيناريو الخامس والأكثر غموضاً فيتعلق بمحاولة الدفع نحو تغيير النظام في طهران عبر استغلال الضغوط الاقتصادية والاحتقان الشعبي داخل البلاد. فبدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة، تقوم هذه الاستراتيجية على إضعاف القيادة الإيرانية من الداخل.
وقد شهدت إيران بالفعل موجة احتجاجات واسعة خلال الأشهر الماضية، مدفوعة بالأوضاع الاقتصادية الصعبة والغضب الشعبي من السياسات الحكومية.
ويرى مؤيدو هذا النهج أن الحرب والعقوبات قد تعيد إشعال تلك الاحتجاجات وتزيد الضغوط على النظام.