مجتمع

"كروان القرآن".. القارئ الشيخ محمود على البنا

الخميس 2016.6.30 01:52 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 2188قراءة
  • 0 تعليق

ما أن بلغ محمود السادسة من عمره، ألحقه والده بكتاب الشيخ موسى المنطاش بقرية شبراباص، التابعة لمركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية في دلتا مصر (الشمال). وكان الشيخ موسى حريصًا كل الحرص على تلاميذه من حيث الحفظ والتجويد، لكنه ازداد حرصا على محمود الذي بزغ نجمه بين أقرانه، خاصة على صعيد مخارج الألفاظ ودقة النطق بالإضافة إلى الذكاء الشديد والالتزام والرقة في التعامل مع كلمات القرآن، الذي أتم حفظه وهو في العاشرة من عمره.

لم يكن أحد يدرك بعد أن هذا الطفل، الذي ولد في قرية شبراباص، في السابع عشر من شهر ديسمبر عام 1926م، سيصبح خلال عقدين فضيلة الشيخ القارئ محمود علي البنا، الذي بات مرادفا لخشوع الأداء طوال رحلة عمرها تسعة وخمسون عاما قضاها في رحاب القرآن الكريم وروضة التلاوة وحب الناس، الذين أطلقوا عليه لقب "كروان القرآن" من فرط جمال صوته.

      بعد أن نبغ محمود البنا في حفظ القرآن أراد والده أن يسجله بمعهد شبين الكوم الديني الأزهري، لكن أحد أصدقاء والده أشار عليه بالذهاب إلى معهد المنشاوي بطنطا الذي يقبل حفظة القرآن مباشرة، وبالفعل التحق بمعهد المنشاوي في عام 1937 م.

اشتهر الطالب محمود بين الطلاب بجمال صوته وحسن مظهره وقوة أدائه، مما جعل كل مشايخ المعهد يحبون الاستماع إليه وكذلك الطلاب، ويقول الشيخ البنا: " ما شجعني على البقاء بطنطا رغم صغر سني التفاف الكثير من الناس حولي لسماع صوتي وأنا أقلد الشيخ محمد رفعت -رحمه الله- وكانت توجه لي الدعوات للقراءة في المناسبات أحيانًا بالمسجد الأحمدي، وعرفت وقتها بالطفل المعجزة لأنني كنت ماهرًا في تقليد أصحاب المدارس الراقية في تلاوة القرآن، ويشجعني المستمعون بالمئات فيزداد الإبداع وأتمكن من الأداء بقوة وأنا في الثانية عشرة من عمري، واستمرت الدراسة بالمعهد ست سنوات، وفي آخر سنة قال لي الشيخ حسين والشيخ محرز رحمهما الله: يا محمود اذهب إلى المعهد الأحمدي بطنطا وتعلم القراءات، وذهبت إلى المعهد الأحمدي وتعلمت القراءات على يد المرحوم الشيخ محمد سلاّم، الذي كان حريصًا على انتقاء من يلتحق بمعهد القراءات فيعقد له اختبارًا في الحفظ والتجويد وسلامة النطق ومعرفة مخارج الألفاظ والدقة في الأداء القرآني وحسن المظهر".

مكث محمود علي البنا عامين كاملين بالمعهد الأحمدي يتلقى علوم القرآن والقراءات العشر وتتلمذ على يد الشيخ محمد سلام.

      ولما بلغ محمود الثامنة عشرة انتقل إلى القاهرة عام 1945 م ليتعلم بالأزهر الشريف، بعد أن أصبح مثقلًا بالقرآن وعلومه، فاستقر بحي شبرا في القاهرة، وكان لعشاق تلاوته الدور الأكبر في بقائه بالقاهرة لمواصلة مسيرته نحو الشهرة والعالمية، لأنهم مكنوه من التلاوة بأكبر مساجد شبرا فتعرف عليه مئات المهتمين بالاستماع للموهوبين من قراء كتاب الله عز وجل، خاصة كبار الشخصيات الذين لعبوا دورًا كبيرًا في تقديم موهبته إلى الملايين عبر موجات الإذاعة.

وفي عام 1946م التقى الشيخ محمود علي البنا بأحد عمالقة التواشيح وأحد النابغين في تدريس المقامات الموسيقية، وهو الشيخ درويش الحريري، الذي ساعد البنا على إتقان المقامات الموسيقية وتطويعها للتلاوة، خاصة أن صوته يحمل نغمًا ربانيًا يستحق الدراسة.

وفي عام 1948 م ذهب الشيخ البنا إلى دار الأوبرا للاحتفال بمطلع العام الهجري الجديد وسمح له بعد معاناة، لأنه غير معتمد في الإذاعة، أن يقرأ القرآن في الاحتفال الذي كان يحضره الكثير من الشخصيات الهامة، والذي نقل على الهواء مباشرة، وبعد الحفل طلب المسئول الإذاعي محمد قاسم من الشيخ البنا أن يتقدم للإذاعة، وبالفعل تم اعتماده بها، وكانت أول تلاوة له في آخر ديسمبر عام 1948م وكان عمره آنذاك 22 عاما.

بعد التحاقه بالإذاعة واكتساب شهرة عريضة امتدت إلى جميع أقطار الدنيا اختير لكفاءته وحسن مظهره الملائكي لأن يكون قارئًا لأكبر وأشهر وأهم مساجد مصر، خاصة المساجد التي يزورها وفود إسلامية من مختلف دول العالم، فقرأ يوم الجمعة لمدة خمس سنوات في الخمسينات بمسجد الملك فاروق بحدائق القبة بالقاهرة، وبعدها انتقل قارئًا بمسجد الإمام أحمد الرفاعي لمدة خمس سنوات أيضا، وخلال هذه الفترة انتقل وراءه مئات من جمهوره المتيم بأدائه وصوته إلى مسجد الإمام الرفاعي، وبعد ذلك اختير لأن يقرأ بمسجد السيد أحمد البدوي بمدينة طنطا، وظل به متمتعًا بتلاوة كتاب الله ما يقرب من ثلاثة وعشرين عامًا متواصلة حتى عام 1980م، وبعد وفاة الشيخ الحصري انتقل الشيخ البنا إلى القاهرة مرة ثانية ليكون قارئًا بمسجد الإمام الحسين.

كانت للشيخ محمود البنا رحلات عالمية مع القرآن الكريم يضيق المقام بحصرها، فقد زار كل أماكن المسلمين بشتى بقاع الدنيا على مدى ما يقرب من أربعين عامًا متتالية، فلم يترك قارة من قارات الدنيا إلا وذهب إليها، خاصة في شهر رمضان المبارك، الذي طالما أسعد الملايين من الجاليات المسلمة بسماع صوته البريء العذب الفياض، وكانت كل رحلاته على شرف الرؤساء، ومن بينهم الرئيس العراقي عبد السلام عارف.

كما قرأ القرآن في المسجد الأموي بدمشق، والمسجد الأقصى بفلسطين، وفي السعودية تشرف بدخول بيت رسول الله " صلى الله عليه وسلم " بعد منتصف الليل بصحبة الدكتور محمد الفحام، شيخ الأزهر الأسبق، والدكتور محمد بيصار. ويقول الشيخ البنا: "بكيت مرتين في حياتي، الاولى في عام 1969م عندما كلفت من وزارة الأوقاف لإحياء ليالي رمضان في المملكة العربية السعودية، والمرة الثانية عندما جلست في الروضة الشريفة لأتلو القرآن وكان أمامي قبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، فأحسست برهبة شديدة وسالت عيني بالدموع".

واختاره الأزهر الشريف لحضور كثير من المؤتمرات الإسلامية العالمية ممثلًا أهل القرآن وقراءه، وأرسلته وزارة الأوقاف إلى كثير من المسابقات العالمية كمحكم وقاض قرآني، وانهالت عليه الدعوات من الملوك والرؤساء والشيوخ العرب لإحياء المناسبات الدينية كالمولد النبوي الشريف وليلة الإسراء والمعراج وليلة رأس السنة الهجرية وافتتاح المؤتمرات الإسلامية العالمية المقامة على أرض بلادهم.

وفي العشرين من شهر يوليو عام 1985 م رحل الشيخ البنا عن عمر يناهز 59 عام ودفن بالمقبرة التي بناها في حياته بجوار المركز الإسلامي الذي أقامه بقريته شبراباص على نفقته الخاصة ليخدم أبناء قريته والقرى المجاورة.

وقام الرئيس حسني مبارك بتكريم الشيخ محمود علي البنا بعد وفاته، حيث منح اسمه وسام العلوم والفنون عام 1990 في الاحتفال بليلية القدر، وتسلمه نجله الأكبر المهندس شفيق محمود علي البنا.

وكرمته محافظة الغربية بإطلاق اسمه على الشارع الرئيسي بجوار المسجد الأحمدي بمدينة طنطا، كما أطلقت محافظة القاهرة اسمه على أحد شوارع حي مصر الجديدة.

  

تعليقات