سياسة

«واترلو» جديدة

الجمعة 2016.7.1 04:20 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 165قراءة
  • 0 تعليق
رغيد الصلح

منذ أن جاءت نتيجة الاستفتاء على علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي لمصلحة المطالبين بالخروج من الاتحاد، يمر الجسم السياسي البريطاني بفترة مراجعة حامية لهذا الفصل من تاريخه. في خضم هذه المراجعة يشعر الكثيرون بأن هذا الجسم العريق في تاريخه الفكري وعمق تجاربه قد اختطف من قبل مجموعة صغيرة من النشطاء تجمعت في حزب هامشي دخل الفضاء العام قبل عدد قليل من السنوات نسبياً. أحرز حزب «استقلال المملكة المتحدة» خلال زمن قصير نجاحاً غير مسبوق في التاريخ البريطاني الحديث. فخلال عقود كثيرة من الزمن اقتصر نادي الأحزاب البريطانية الكبرى تي اعتادت أن تصنع الأحداث الكبرى في المملكة المتحدة على عدد قليل لم يتجاوز الثلاثة أو الأربعة أحزاب. أما اليوم فإن حزب «الاستقلال» الذي يتزعمه نايجل فاراج لم ينتزع انت صاراً في بلده فحسب بل حقق نجاحاً قد يغير وجه القارة وربما العالم. لقد تحول الاتحاد الأوروبي منذ تأسيسه إلى مثال ونموذج يقتدى في كافة أنحاء الأرض. أما اليوم فيشعر الكثيرون اليوم وكأن هذا العملاق الدولي الكبير مهدد هو الآخر بالزوال في واترلو سياسية جديدة لم تكن تخطر على البال. 

حتى ولو لم يتحقق هذا الاحتمال، فإن الطلاق الأوروبي - البريطاني هو حدث كبير إلى درجة أنه سمح لفاراج في مخاطبته للبرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، أن يقارن بين شخصه وبين ونستون تشرشل: فكلاهما رد الهجوم القاري ومنع أوروبا من اجتياح الجزيرة البريطانية. وكلاهما خرج مما يشبه العراء السياسي! فكيف يمكن تفسير هذا الانتصار التاريخي الذي أحرزه أعداء الاتحاد الأوروبي في موقعة الاستفتاء؟
هناك تفسيرات كثيرة لهذا النجاح الذي أحرزه حزب الاستقلال. وبين هذه التفسيرات ما يركز على الطابع العام للصراع الذي تعيشه أوروبا اليوم. فالقارة تشهد، مرة أخرى، صعود اليمين القومي المتطرف. ولقد غدا الاتحاد الأوروبي ساحة رئيسية من ساحات الصراع بين أحزاب اليمين المتطرف، من جهة، وأحزاب الوسط واليسار من جهة أخرى. وهذا الصراع بدأ مع بداية المشروع الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية. فهذا المشروع جاء وليد تفاهم بين الليبراليين الديمقراطيين وبين الاشتراكيين الديمقراطيين. واستمرار هذا المشروع ونموه كانا بمثابة امتحان لصواب هذا التفاهم. لذلك توقع الكثيرون أن تضع الأحزاب البريطانية الرئيسية الثلاثة كل ثقلها لإنجاح هذا المشروع، ولبقاء بريطانيا في الاتحاد. وبدت هذه التوقعات في غير محلها عندما خرج عدد من زعماء حزب المحافظين، وخاصة بوريس جونسون عن موقف الحزب العام. ولكن هذا الخروج لم يفض إلى خلل كبير في موقف الحزب إذ بقيت القيادة بيد كاميرون ورفاقه الذين دعوا إلى تأييد البقاء في الاتحاد. أما الخلل الأهم فقد بدا في الموقف المتأرجح لليسار البريطاني.

لقد أيد حزب العمال البقاء في الاتحاد ولكن قيادة الحزب ظهرت وكأنها منقسمة على نفسها بين «المغادرين»، أي الذين اقترعوا لمصلحة الانسحاب من الاتحاد و«الباقين»، أي الذين اقترعوا لمصلحة البقاء في الاتحاد. وهكذا بدا جيريمي كوربن، زعيم حزب العمال، وكأنه يضع قدماً في البور وأخرى في الفلاحة. فعل ذلك عندما امتنع عن تحديد موقفه من الاتحاد الأوروبي لمدة شهرين بعد بدء معركة الاستفتاء، وغيب نفسه، كما لاحظت صحيفة «الايكونومست» البريطانية عن أكثر المساجلات والمقابلات التلفزيونية التي رمت إلى استيضاح زعماء الأحزاب البريطانية عن موقفهم من الاستفتاء. وحتى عندما قبل بالاشتراك في بعض الندوات التلفزيونية المتعلقة بالاستفتاء فإنه كان يملؤها بالملاحظات النقدية والسلبية تجاه الاتحاد، وكذلك بتقديم التبريرات للتحفظات على المشروع الأوروبي، وبتوجيه النقد الشديد إلى بيانات الحكومة البريطانية عن الأضرار الاقتصادية التي تهدد بريطانيا فيما إذا خرجت من الاتحاد قبل أن يختمها بتأييد متحفظ للبقاء فيه.
لم ينحصر الفتور تجاه البقاء في الاتحاد على سلوك كوربن بل تعداه إلى بيانات حزب العمال والحملات المتواضعة التي كان يقودها من أجل حث المحازبين والمواطنين والمواطنات على المساهمة في الاستفتاء وعلى تأييد البقاء في الاتحاد. ولقد جاء اغتيال النائبة العمالية جو كوكس، وكأنه حدث في غير مكانه وزمانه، خاصة وأن قيادة الحزب لم تعط هذه الخسارة الإنسانية والسياسية حقها من الاهتمام ولم تحوله إلى واقعة مهمة لمحاكمة الإجرام السياسي وللتنديد بمن سمموا الأجواء التي رافقت سير الاستفتاء في بلد عريق في ديمقراطيته مثل بريطانيا.

لقد أخذ البعض على جيريمي كوربن وعلى مؤيديه في اليسار البريطاني فتورهم في تأييد البقاء في الاتحاد الأوروبي، إلا أن بعض أطراف اليسار البريطاني لم تظهر فتوراً اتجاه الاستفتاء، بل على العكس اندفعت بكل قوة وبكل ما تملك من وسائل لكي تحث المواطنين على المشاركة في الاستفتاء، ولكن لكي يظاهروا الخروج من الاتحاد. لقد دعتهم صحيفة «مورنينغ ستار» إلى الانضمام إلى صفوف «المغادرين».

لقد دفع اليسار الأوروبي ثمناً باهظاً نتيجة هذه الأخطاء. واليوم هناك بوادر تكرار هذه الأخطاء على يد قيادات يسارية أوروبية تعتقد أن قوى اليمين المتطرف تغيرت وتحولت إلى قوى ملتزمة بالمبادئ الديمقراطية. ربما كانت هذه القيادات على حق، ولكن في كافة الحالات سوف ترتكب خطأ فادحاً إذا تصورت أنها تستطيع اعتبار التزام اليمين المتطرف بالمبادئ الديمقراطية من المعطيات المؤكدة. إن جريمة اغتيال النائبة المناضلة جو كوكس سوف تبقى جرس إنذار يذكر الزعامات اليسارية بضرورة إجراء فحوص دم مستمرة لليمين المتطرف بغية التأكد من أن الكريات الديمقراطية - إذا كانت موجودة أصلاً - التي تجري في عروقه لم تنخفض عن المنسوب المطلوب.

المقال نقلاً عن صحيفة "الخليج" الإماراتية

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات