دمعة من الفولاذ والذاكرة.. «قطرة الماء» أجمل سيارات ريترو موبيل 2026
تتحول باريس هذا الأسبوع إلى عاصمة عالمية لهواة السيارات الكلاسيكية، مع انطلاق معرض ريترو موبيل 2026، محتفلًا بمرور خمسين عامًا على تأسيسه.
وفي دورة استثنائية للمرض الذي يقام من الأربعاء 28 يناير/ كانون الثاني إلى الأحد 1 فبراير/ شباط المقبل، ينتظر أن تستقطب نحو 150 ألف زائر، يضع المعرض ما يقارب 500 سيارة تاريخية في متناول الجامعين والهواة، ضمن سوق نشطة تجمع بين الشغف والاستثمار.
في أروقة معرض ريترو موبيل 2026 بباريس، حيث تتصالح الذاكرة مع الجمال، تبرز سيارة واحدة تخطف الأنفاس قبل غيرها، وتفرض نفسها كأجمل ما يمكن أن تراه أعين عشاق السيارات الكلاسيكية هذا العام.
إنها سيارة تالبت-لاغو تي 150-سي إس إس كوبيه "قطرة الماء"، تحفة فرنسية تعود إلى عام 1938، ليست مجرد سيارة معروضة، بل قطعة فنية نادرة معروضة للبيع، ومرشّحة لتكون نجمة المعرض بلا منازع.
مع اقتراب افتتاح ريترو موبيل، الحدث الأهم في عالم السيارات التاريخية، تتسابق دور المزادات والعارضون للكشف عن جواهرهم الخفية.
لكن دار غودينغ كريستيز، التي تتولى هذا العام تنظيم المزاد الرئيسي خلفًا لدار أرتكيوريال، حسمت المعركة مبكرًا بإدراج هذه السيارة الاستثنائية في كتالوغ مزادها المقرر خلال أيام المعرض.

فمنذ النظرة الأولى، يتضح أن الأمر لا يتعلق بسيارة عادية، بل بعمل نحت متحرّك، يجسّد ذروة الجرأة والإبداع في تصميم السيارات الفرنسية قبل الحرب العالمية الثانية.
ولدت هذه التالبت-لاغو على قاعدة هيكل سيارة سباق، ثم أُلبست هيكلًا انسيابيًا من توقيع دار فيغوني وفالاشي، أحد أعظم صانعي الهياكل في تاريخ السيارات.

شكلها الذي يشبه قطرة ماء منحها اسمها الشهير، وجعلها رمزًا للتصميم الانسيابي الذي سبق عصره بسنوات طويلة.
والنسخة المعروضة تنتمي إلى فئة "نيويورك ثنائية الهيكل"، وهي أطول قليلًا وأكثر انسيابية من نسخة "جانكار ثلاثية الهيكل"، مع اختلافات دقيقة في الواجهة الأمامية والمصابيح، ما يزيد من فرادتها وقيمتها التاريخية.
وقالت إذاعة "فرانس.بلو" الفرنسية، إن ندرة هذه السيارة تضاعف من سحرها، إذ لم يصنع منها سوى ما بين عشرة واثني عشر نموذجًا فقط بجميع نسخها.

أما السيارة المنتظرة في باريس، فهي تحمل رقم الهيكل 90112، وقد سلمت عند خروجها من المصنع باللون الأسود إلى مدير كازينو نامور في بلجيكا عام 1938.
وتنقلت لاحقا بين عدة مالكين قبل أن تخضع لعملية ترميم كاملة أعادتها إلى مجدها، مع تغيير لونها إلى الرمادي في مطلع الألفية الجديدة.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت ضيفة دائمة على أرقى مسابقات الأناقة العالمية، وعلى رأسها مسابقة بيبل بيتش الشهيرة في الولايات المتحدة.
القيمة المتوقعة لهذه التحفة لا تقل عن ستة ملايين يورو، وقد تتجاوز سبعة ملايين مع نهاية المزاد، في تأكيد جديد على أن السيارات الكلاسيكية الفاخرة لم تعد مجرد هواية، بل أصولًا استثمارية حقيقية.

ورغم أن البعض قد يقارنها بأسطورة أخرى مثل بوغاتي تايب 57 إس سي أتلانتيك، فإن تالبت-لاغو "قطرة الماء" تحتفظ بمكانتها الخاصة، كواحدة من أجمل السيارات التي صُنعت في تاريخ الصناعة الفرنسية، وربما العالمية.
هذا المشهد الفاخر لا ينفصل عن الحراك الأوسع الذي يعرفه معرض ريترو موبيل، حيث تتجاور السيارات النادرة مع شغف جامعيها وتجارها. من بينهم بول أنسلان، مؤسس ومدير مرآب بولز كلاسيك كارز في كريانس، الذي يحضر المعرض حاملاً معه تجربة خمسة عشر عامًا في عالم السيارات الكلاسيكية.
يملك أنسلان أكثر من مئتي سيارة، جلب معظمها من كاليفورنيا بفضل مناخها الجاف الذي يحافظ على الهياكل، ويعرضها اليوم على سوق باتت عالمية تمتد من أوروبا إلى الولايات المتحدة وشمال أفريقيا.
وبينما تتلألأ السيارات الفاخرة من ثلاثينيات القرن الماضي، يخصص ريترو موبيل مساحة متزايدة لظاهرة "يونغ تايمرز"، أي سيارات السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، التي تعيد إحياء أحلام المراهقة لجيل كامل.
تلك السيارات، التي كان يمكن إصلاحها يدويًا وبساطة ميكانيكها جزء من سحرها، تشهد طلبًا متزايدًا، وتؤكد أن الحنين أصبح محرّكًا قويًا في سوق السيارات التاريخية.
في هذا الخليط الفريد من النوستالجيا والاستثمار والجمال الخالص، تفرض تالبت-لاغو "قطرة الماء" نفسها كرمز للمعرض، سيارة تختصر فلسفة ريترو موبيل بأكملها: الاحتفاء بالماضي، وتقديس الحرفة، والإيمان بأن بعض الآلات يمكن أن تتحول، مع الزمن، إلى أساطير لا تُقدّر بثمن.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuODQg
جزيرة ام اند امز