سوق الائتمان الخاص يواجه اختباراً صعباً عالمياً
يشهد سوق الائتمان الخاص، الذي تُقدَّر قيمته بنحو 3 تريليونات دولار، اضطرابات متزايدة تهدد استقراره.
ففي ظل موجة سحب أموال غير مسبوقة وارتفاع معدلات التعثر، يواجه سوق الائتمان الخاص اختبارًا حقيقيًا لأول مرة منذ صعوده السريع خلال العقد الماضي، وسط مخاوف من تداعيات أوسع قد تمتد إلى النظام المالي العالمي.
ووفقا لتقرير موقع "إي بي سي"، فإنه خلال الربع الأول من عام 2026، تقدّم المستثمرون بطلبات سحب تجاوزت 10 مليارات دولار من كبرى صناديق الائتمان الخاص، في خطوة وصفها بعض المحللين بأنها أشبه بـ”هروب بطيء للأموال”.
وقد اضطرت شركات استثمارية كبرى مثل مورغان ستانلي وبلاكستون، أبولو غلوبال مانجمنت، آريس مانجمنت، وبلاك روك إلى فرض قيود على عمليات السحب، وغالبًا عند حدود 5% من صافي قيمة الأصول، في محاولة للسيطرة على الضغوط.
وتُظهر البيانات أن صندوق BCRED التابع لشركة بلاكستون تلقى طلبات سحب بقيمة 3.8 مليار دولار، فيما تجاوزت طلبات السحب في بعض الصناديق الأخرى نسبة 10% من أصولها، مما دفع الشركات إلى تقييد السيولة المتاحة للمستثمرين. وعلى مستوى القطاع، تم تلبية نحو 70% فقط من إجمالي الطلبات، بينما بقيت مليارات الدولارات عالقة داخل الصناديق.
أسباب التوتر
وفي هذا السياق، حذر بنك مورغان ستانلي من أن معدلات التعثر في الإقراض المباشر قد ترتفع إلى 8%، مدفوعة بارتفاع مستويات الدين وضعف الأداء المالي لبعض الشركات. كما أظهرت بيانات مؤسسة فيتش أن معدلات التعثر في سوق الائتمان الخاص بلغت 5.8% بحلول مارس/آذار 2026، وهو أعلى مستوى لها منذ سنوات.

ولا تقتصر التحديات على ارتفاع معدلات التعثر، بل تمتد إلى ما يُعرف بـ”جدار إعادة التمويل”، حيث من المتوقع أن تستحق سندات بقيمة تزيد على 700 مليار دولار بين عامي 2027 و2029. ويشكل هذا التحدي ضغطًا إضافيًا في ظل بيئة أسعار فائدة مرتفعة، ما يزيد من تكلفة إعادة التمويل ويضع العديد من الشركات أمام مخاطر مالية متزايدة.
ويعود هذا التوتر إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها التحولات التكنولوجية السريعة، خاصة في قطاع البرمجيات. إذ تشير التقديرات إلى أن ما بين 20% و30% من محافظ الائتمان الخاص موجهة إلى شركات البرمجيات كخدمة (SaaS)، التي تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يهدد نماذج أعمالها وقدرتها على سداد الديون.
تداعيات واضحة
ويحذر خبراء من أن تداعيات الأزمة قد تمتد إلى الأسواق العامة عبر عدة قنوات، من بينها عمليات البيع القسري للأصول لتلبية طلبات السحب، واتساع فروق العائد على السندات، فضلًا عن انكشاف البنوك على هذا القطاع من خلال خطوط التمويل والقروض المرفوعة.
وفي هذا الإطار، شبّه الخبير الاقتصادي محمد العريان الوضع الحالي بالمراحل الأولى من الأزمة المالية العالمية في 2008، مشيرًا إلى أن اختلال التوازن بين السيولة والأصول قد يؤدي إلى اضطرابات أوسع إذا لم تتم معالجته بشكل سريع.
ورغم هذه التحديات، يرى بعض المستثمرين أن الأزمة تخلق فرصًا استثمارية جذابة، خاصة في مجال الديون المتعثرة. فقد وصف عدد من مديري الصناديق هذه المرحلة بأنها “أكبر فرصة منذ الأزمة المالية العالمية”، حيث يسعون إلى شراء الأصول المتعثرة بأسعار منخفضة وتقديم تمويل إنقاذي بعوائد مرتفعة.
كما بدأ سوق ثانوي في الظهور لتداول حصص صناديق الائتمان الخاص، ما يوفر منفذًا جزئيًا للمستثمرين الراغبين في الخروج، وإن كان ذلك بأسعار مخفضة تعكس نقص السيولة في هذا القطاع.
وبينما لا تزال الأمور في مراحلها الأولى، فإن تطوراتها قد تحمل تداعيات عميقة على النظام المالي العالمي إذا استمرت الضغوط الحالية دون احتواء.
وقد بدأت آثار هذه الضغوط تظهر بالفعل في الأسواق المالية، حيث فقدت شركات إدارة الأصول البديلة، مثل بلاكستون، أبولو غلوبال مانجمنت، آريس مانجمنت، وبلاك روك، أكثر من 265 مليار دولار من قيمتها السوقية مجتمعة، مع تراجع أسعار أسهم بعضها بنسبة تصل إلى 48% من ذروتها.