ثقافة معرض شارل خوري: جمالية "تنظيم الفوضى"

الخميس 2016.2.25 11:45 صباحا بتوقيت ابوظبي
  • 404قراءة
  • 0 تعليق
معرض خوري الجديد في غاليري

معرض خوري الجديد في غاليري "جانين ربيز" في بيروت يستمر حتى 18 مارس

التقيت بلوحات شارل خوري منذ أكثر من عشر سنوات. انطبعت فوراً في ذاكرتي البصرية واستقرت. العلاقة الفورية مع أعمال شارل خوري، مردها هذا الاحتشاد الكثيف والممتلئ الذي يميزها. 

حضور مزدحم للكائنات والألوان والأشكال البنائية والخطوط المتداخلة، ثم احتوائها كل تلك الطبقات المتراكمة من اقتراحات وتأليفات وصياغات، تعبيرية ورمزية وتجريدية لونية.

 

المفارقة الأولى، أن كل تلك الكثافة، بل الامتلاء الذي يستحوذ على فضاء اللوحة ونتوءاتها، لا تربك الناظر والمتلقي، فهي تبدو له أليفة وواضحة بكل عناصرها، وتدغدغ فضوله البصري. والسبب في تلك الألفة، أن شارل خوري، بأسلوبه المتعدد التقنيات، يستحضر في لوحاته "الذاكرة التشكيلية"، كأننا نرى فيها اختزالا باهرا لبانوراما الفن التشكيلي، أنطولوجيا بارعة للرسم والتلوين العابر للعصور والحضارات.. في صياغة يمكن وصفها بـ"تنظيم الفوضى"، وابتداع جمالية متأتية من هذا الاحتشاد والامتلاء و"التذكر".

معرضه الجديد في غاليري "جانين ربيز" (بيروت حتى 18 آذار – مارس)، هو استئناف مخالف، أو تجديد متآلف مع تجاربه السابقة. بمعنى أن خوري لم يضطر للخروج على أعماله ومعارضه السابقة، لكنه انعطف مزاجياً من نظرة قاتمة وكابوسية إلى نظرة مشرقة وهادئة. لم يعد فضاءه مظلماً ومتشائماً وموغلاً في المناخات الكافكاوية، كأنما اكتسب راحة وجودية وطمأنينة وسلاماً مع حقيقة العالم. 

هذا الاختلاف، انتقل على مستوى التأليف، من حال الظلمة والظلال المعتمة إلى حال الانقشاع وسطوع الضوء ونقاء اللون، حتى أن الأسود الموجود دوماً بات في لوحاته الجديدة مسالماً وحيادياً.

قوة عمل الفنان هي قدرته على استدعاء المألوف في تاريخ الفن التشكيلي من منابعه البالغة التنوع، أكانت بدائية أو كلاسيكية أو حداثية، وتسخيرها مجدداً في مشروعه البنائي، فيتجاور التعبيري والانطباعي مع التجريدي، وتحضر أطياف وأشكال "الأبورجنيز" (سكان أستراليا الأصليين)، أو اختصارات رسوم إنسان الكهف البدائي، أو تجارب التكعيبية، واختبارات بيكاسو الشكلية أو اقتراحات بول كلي وكاندينسكي وميرو.. إلخ، فيطوعها جميعها كأبجدية للغة يعيد كتابتها وفق رؤيته الشخصية.

يمكن القول إن اللوحة هنا ثمرة "دراسة"، كأنها رسم شديد الكثافة للبحث والتقصي، واستنطاق للمخزون البصري والجمالي. وهي في معناها أيضاً، أي في مضمونها المباشر، تجمع عوالم الحيوانات والطبيعة والبيئة الإنسانية وطقوسها، والمخيلة البنائية والهندسية للكون (بمعناه الرياضي والفيزيائي)، من دون أن تفقد اللوحة شروط توازنها ولا وضوحها، لوناً وخطاً وانسجاماً. ثمة احترام دقيق لسطح اللوحة ولخلفيتها، للنافر منها وللمتواري، في تنفيذ بارع وعناية متأنية لتحديد العناصر والأحجام والمساحات. 

في كل لوحة ازدحام للدهشات، للتراكيب المفاجئة، لتناوب الواقعي والخيالي، للألوان الحارة والباردة، للعتمة والضوء، لمزيج من الأبعاد تكاد تكون نحتية، ولسطوح مستوية ومنممة، لاشتباك تأثيرات شكلية وإيحاءات نفسية. الغامض ينافس الواضح، واللعب التلقائي يشاكس البناء والإنشاء الصارم.

وتتولد شاعرية لوحات شارل خوري من هذا التنازع بين متانة البناء الهندسي من جهة، والتماهي مع بدائية الرسم الطفولي أو الفطري، القديم والجديد. هنا بالضبط المصدر الأصلي لسحر الفن التشكيلي المعاصر، الذي يقبض عليه خوري، متفطناً للطاقة النابعة من الحرية الكبيرة التي حازها هذا الفن، المنعتق من المدارس والتيارات. حرية تأليف وقول لكن بإخلاص عميق للذاكرة البصرية الكونية.

هكذا هي لوحات خوري، أقرب إلى "تقمص" مكتسبات تاريخ التشكيل، وتظهير سخي لجمالياته، باقتدار العارف والباحث والمجرِّب، والناضج المختمر.  

 

 

تعليقات