فن

بالصور.. كتاب يوثق الصدام بين جمال عبدالناصر والفنان محمد فوزي

الأحد 2019.2.10 02:16 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 184قراءة
  • 0 تعليق
الفنان الشهير محمد فوزي - أرشيفية

الفنان الشهير محمد فوزي - أرشيفية

كشف الناقد السينمائي المصري أشرف غريب النقاب عن أحدث كتبه "محمد فوزي.. الوثائق الخاصة"، والذي يجيب من خلاله عن علامات الاستفهام الكبرى التي أحاطت بسيرة حياة الموسيقار الراحل، ويحكي ما كان غامضا فيها أو مسكوتا عنه طيلة العقود الماضية.

ووثق غريب، خلال كتابه بالمستندات والصور التي تنشر للمرة الأولى، أسرار الصدام بين نظام الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر والفنان محمد فوزي، أحد أهم المواهب التي شهدتها الساحة الفنية في مصر خلال القرن الـ20.

وقال النقاد السينمائي المصري، في مقدمة كتابه الصادر بمناسبة مرور مائة عام على ميلاد فوزي: "رغم أن الفنان الشهير لم يكن حتى من هواة الكلام في السياسة، فإنها أحرقته، ولم يدرك ذلك إلا متأخرا". 


المشكلة

يحكي الكتاب الصادر عن "دار بتانة" الثقافية، بالوثائق والصور، الاضطهاد الذي تعرض له الفنان، ويكشف عن أن علاقة فوزي مع نجيب كانت سبب المشكلة بين الفنان ونظام عبدالناصر.

ويوضح أن رجال نظام عبدالناصر "انتقموا من فوزي لصداقته مع اللواء محمد نجيب"، الذي اعتبره أنصار ناصر في مجلس قيادة ثورة 23 يوليو/تموز 1952 خصما ينازع الرئيس في الحكم والزعامة، لذا أطيح به ووضع قيد الإقامة الجبرية.

ويقول غريب، لشبكة "بي بي سي" البريطانية: "لا يبدو أن فوزي، تحديدا، قرأ المشهد السياسي جيدا، فهو لم يدرك لا موازين القوى في اللحظة التالية لقيام الثورة، ولا إلى أين تتجه هذه الموازين في المستقبل القريب، فراح يدفع نفسه إلى مقدمة الصورة في كل المشاريع القومية التي قادها محمد نجيب".

ويظن غريب أنه "لو كان فوزي قد أدرك جيدا المشهد، كما فعلت أم كلثوم، لربما كان قد تجنب كثيرا مما وقع له لاحقا".

ويتابع: "لأنه لم يدرك المشهد أو ربما لم يكن يعبأ، فإنه ظل على تأييده للواء نجيب، كما نشأت علاقة متينة بينهما بسبب اقتناع فوزي بالعهد الجديد ورموزه والالتحام بالمشاريع الوطنية الأولى التي نادى بها ودعمها نجيب".

وينشر الكتاب صورا نادرة للفنان مع نجيب وسط محبيه وهو يدشن مشروعات خيرية خدمية في أنحاء مصر، ويوضح: "رغم أن فوزي لم يكن حتى من هواة الحديث في السياسة، فإنه لم يتخلف مرة عن اللقاءات التي كان يجريها اللواء محمد نجيب مع رجال الفن".

ولد فوزي في 19 أغسطس/آب 1918 وتوفي عن 48 عاما بمرض السرطان يوم 20 أكتوبر/تشرين أول 1966، وأنتج 36 فيلما كان هو بطلها، وبلغ عدد الأفلام التي أنتجها ولم يمثل فيها 47 فيلما.

وفي الأعمال الموسيقية الغنائية، لحن لنفسه 239 عملا، وللمطربين 36، فضلا عن 116 أغنية لمطربات، فيما غنى فوزي 3 أغنيات فقط لملحنين آخرين.


الفنانون الآخرون

ويشير الكتاب، في هذا السياق، إلى أن أم كلثوم "استوعبت المشهد السياسي جيدا، واستشفت أن عبدالناصر هو الأقوى والقائد الفعلي للثورة"، لذا ذهبت بعد أيام من قيام ثورة يوليو 1952 إلى مبنى الإذاعة المصرية وتخلصت من كل أغنياتها التي تغنت بها للملك فاروق قبل الثورة، ونشرت لها مجلة الكواكب في 5 أغسطس/آب 1952، أي بعد 12 يوما من بداية الثورة، صورة وهي تفعل ذلك.

ويبرهن الكتاب على أن النفوذ السياسي للفنانين المصريين في هذه المرحلة وفر الحماية لمصالحهم، ويكشف عن وثيقة تؤكد أنه بفضل العلاقات السياسية "سعى الفنان محمد عبدالوهاب لدى الملك عبدالعزيز آل سعود كي يتدخل لدى قيادة الثورة عام 1953 لتغض الطرف عن ثروته وثروة أم كلثوم".

وينشر الكتاب خطابا صادرا في 4 يونيو/حزيران 1953 عن ممثل السعودية في مصر، موجها إلى نجيب الذي كان رئيسا للدولة ومجلس قيادة الثورة، قبل الأزمة الفاصلة بينه وبين ناصر.


سابقة في الحياة الفنية

يحكي الكتاب أنه في عام 1961 مارس نظام عبدالناصر تضييقا واضحا على فوزي، بفرض الحراسة على موزع أفلامه الوحيد في الداخل، شركة "بهنا إخوان" بمقريها في القاهرة والإسكندرية. 

ويصف غريب هذا التصرف بأنه "سابقة لم تعرفها الحياة الفنية في مصر من قبل أو من بعد"، وأدى إلى أن "غُلت يدا محمد فوزي داخليا وخارجيا في تمويل وتوزيع أفلامه بخلاف المبالغ المالية التي كان قد تكبدها في التجهيز لهذه الأفلام".

ويقول الكتاب: "استولت الدولة على شركة (مصر فون) لصاحبها محمد فوزي، دون (صوت الفن) لصاحبيها محمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ؛ لتبقى الأخيرة بلا منافس في سوق الإنتاج الغنائي".

ولم تقف ملاحقة فوزي عند هذا الحد، بل امتدت إلى الطعن في فنه، حسب الكتاب، فكانت "إثارة حالة من الكراهية بين السينمائيين تجاه فوزي لدرجة بلغت التقليل من موهبته والتحريض عليه، مظهرا آخر للاضطهاد من جانب النظام". 

ويضرب الكتاب مثالا على ذلك برسالة وصفها بأنها "مفجعة" بعث بها المخرج حسين فوزي، الذي لا علاقة قرابة له بمحمد فوزي، سنة 1959 إلى شركة "بهنا فيلم"، يصف فيها محمد فوزي بأنه "فاشل ومحدود الموهبة". 

ويستغرب المؤلف هذا الموقف، قائلا إن "الفنان الراحل كان مؤيدا لثورة 23 يوليو ولأفكارها، لكن مشكلته أنه كان يغني للثورة وليس للثوار". 


علامات استفهام

ويشير الكتاب إلى أنه رغم علاقة فوزي القوية بنجيب، فإنه "لم يتوقف عن الغناء للثورة لا للأشخاص بعد عزل نجيب، ولم يترك حدثا وطنيا كبيرا إلا وغنى له، كذلك تغنى بالاشتراكية والعدالة وحقوق العمال وبكل مكاسب الثورة المصرية في أكثر من أغنية وطنية".

ويضيف: "لم يغفل فوزي في غنائه التوجه القومي الذي انتهجه عبدالناصر، فغنى للكثير من الدول العربية وحتى لأفريقيا"، مشيرا إلى مساهمته في جمع التبرعات لدعم مشروعات ناصر الداخلية.

ووضع غريب علامات استفهام عن علاقة عبدالناصر شخصيا بمعاناة الفنان المحبوب، لكنه لم يجزم بعلم الزعيم الراحل باضطهاد فوزي، وتساءل: "هل لم يكن عبدالناصر يعرف بالإيذاء والضرر الواقعين على فوزي؟ أم كان ولاء فوزي لخصمه اللواء محمد نجيب ما زال ماثلا في ذهنه؟ هل حِيلَ بين صوت فوزي وبين الرئيس على أعتاب مكتبه الذي كان يديره سامي شرف، الذي سبق وطلب يد السيدة كريمة (زوجة فوزي الثالثة) قبل زواجها من محمد فوزي وأيضا بعد رحيله؟".

ويرجح الكتاب وجود علاقة بين اضطهاد النظام لفوزي وبين تأميم ممتلكات بمرضه، وينقل عن زوجته كريمة قولها، في مقابلة صحفية، إنه بعد التأميم "لم يعد فوزي هو ذلك الرجل الذي تعرفه. فقد دخل في حالة اكتئاب دائم حتى وإن حاولت روحه المرحة التغلب على ذلك الاكتئاب. وبدأ ينعكس هذا على حالته الصحية وشهيته للطعام، ومن ثم دخوله في دوامة السرطان".


تهديد لكاريوكا

ينقل المؤلف عن رواية روتها له شخصيا الفنانة الراحلة تحية كاريوكا ملخصها أنها تلقت تهديدات صريحة من شعراوي جمعة، وزير داخلية نظام عبدالناصر، بأن تكف عن الكلام في موضوع علاج فوزي ومطالبتها الدولة بأن تتحمل النفقات. 

ويضيف غريب أن أم كلثوم تدخلت، حسب رواية تحية، لدى عبدالناصر وأقنعته، رغم محاولات سامي شرف قطع الطريق عليها، بإصدار قرار بسفر فوزي للعلاج بأمريكا، وصدر القرار في 9 ديسمبر/كانون الأول 1965 أي بعد نحو 4 سنوات من بداية خطوات تأميم كل ممتلكات محمد فوزي ودخوله في دوامة المرض.

وبعد نحو 11 شهرا، توفي الفنان ذو الشعبية الكبيرة عن 48 عاما، وشارك عشرات الألوف في الجنازة. 

ويختتم مؤلف الكتاب: "فوزي عاش غير محب للسياسة لكنه انكوى بنارها، فكان محبا لبلده ومصلحة هذا البلد، لذلك آمن بثورة يوليو حتى لو لم تؤمن به هذه الثورة وساند مشاريعها وتوجهاتها حتى لو لم يلق المساندة من قادتها".


تعليقات