ناقد: السينما الفلسطينية تحول الخبر السياسي إلى تجربة إنسانية حية (خاص)
أكد الناقد السينمائي السوري المقيم في فرنسا فارس الذهبي، أن مهرجانات السينما الفلسطينية في أوروبا أصبحت تلعب دورًا مهمًا في تقديم صورة أكثر عمقًا وتنوعًا.
وأضاف الذهبي في مقابلة خاصة مع "العين الإخبارية" على هامش فعاليات مهرجان "سينما فلسطين" في باريس، أن هذه التظاهرات الثقافية تمنح النقاد والكتاب وصناع السينما فرصة نادرة لمتابعة تطور اللغة السينمائية الفلسطينية، وكيفية تحول التجربة اليومية والذاكرة الجماعية إلى مادة جمالية وسردية داخل الفيلم.
وأشار الكاتب والناقد السينمائي إلى أن السينما الفلسطينية المعاصرة لم تعد تكتفي بتوثيق الواقع، بل أصبحت تقدم أشكالًا فنية متعددة تمزج بين الوثائقي والروائي والتجريبي، وتكشف عن مجتمع حيّ مليء بالتفاصيل الإنسانية والطبقات الثقافية المختلفة.
وإلى نص الحوار:
- ما أهمية مهرجان "سينما فلسطين" للكتّاب والنقاد والفنانين؟
تكمن أهمية مهرجان "سينما فلسطين" بالنسبة للكتاب والنقاد والفنانين في أنه منصة ثقافية ومعرفية تعيد تقديم السينما الفلسطينية على أنها تجربة فنية حيّة، متعددة الأصوات، وليست مجرد مادة سياسية أو خبرية، فالمهرجان، يهدف إلى إبراز السينمائيين الفلسطينيين المعاصرين، وتوسيع حضورهم أمام جمهور أوسع، مع خلق مساحة للنقاش واللقاءات والبرامج المهنية.
وبالنسبة للكاتب أو الناقد، يمنح هذا النوع من المهرجانات فرصة نادرة لمتابعة تطور اللغة السينمائية الفلسطينية من الداخل، مثل كيف تروى الحكاية الفلسطينية، وكيف يعاد تشكيل الذاكرة، وكيف يتحول اليوميّ والمعيش إلى بناء جمالي ورمزي.
وهذا مهم جدًا لأن السينما الفلسطينية كثيرًا ما تختزل خارج هذه الفضاءات في بعدها السياسي المباشر، بينما تتيح المهرجانات رؤيتها أيضًا كفن له أساليبه، وتحولاته، وتجارب مخرجيه المختلفة.
وقد أكد "مهرجان سينما فلسطين" في باريس، مثلًا، على تعريف الجمهور بالسينما الفلسطينية باعتبارها تعبيرًا فنيًا مميزًا، وعلى تجاوز الصور النمطية والأحكام الجاهزة من خلال النظرة الفنية.
أما بالنسبة للفنانين وصناع السينما، فالأهمية تتضاعف، لأن المهرجان يخلق شبكة تواصل حقيقية بين المخرجين والمنتجين والنقاد والجمهور، ويفتح المجال أمام اللقاءات المهنية، والحوارات، والمسابقات، وورش العمل، بما يساعد على تطوير المشاريع الجديدة وتوسيع فرص التعاون والتوزيع. وهذه النقطة واضحة في مهرجانات من هذا النوع، مثل «Palestine Cinema Days» الذي يقدم عروضًا، ولقاءات، وبرامج مهنية وجوائز، ويضع السينما الفلسطينية داخل مشهد سينمائي أوسع محليًا ودوليًا.
- كيف يساهم هذا المهرجان في تقديم صورة مختلفة عن فلسطين؟
يساهم هذا المهرجان في تقديم صورة مختلفة عن فلسطين لأنه ينقلها من خانة الخبر إلى خانة التجربة الإنسانية المعايشة.
فبدل أن تظهر فلسطين فقط بوصفها عنوانًا للصراع أو مادةً سياسيةً مختزلة، تتيح الأفلام المعروضة رؤية الفلسطينيين في تفاصيل حياتهم، وعلاقاتهم العائلية، وذاكرتهم، ومخاوفهم، ورغباتهم، وأشكال مقاومتهم اليومية.
هذا التحول مهم جدًا، لأن المهرجان نفسه يعلن أن من أهدافه إبراز جودة السينما الفلسطينية وفرادتها، وتعريف جمهور أوسع بتنوعها، لا اختزالها في صورة واحدة جامدة.
ومن هنا تأتي قوة الأعمال السينمائية فهي تفكك الصورة النمطية. حين تعرض أفلام روائية ووثائقية وتجريبية وأعمال قصيرة وطويلة، تتكشف فلسطين بوصفها مجتمعًا حيًا ومتعدد الطبقات والأمزجة والأجيال، لا مجرد مشهد دائم من الدمار أو الضحية الصامتة.
وقد شددت منصات هذه المهرجانات على خلق فضاء للنقاش واللقاءات والحوارات حول السينما الفلسطينية، وهو ما يساعد الجمهور على استقبال فلسطين كحياة وثقافة وخيال وذاكرة، لا كعنوان سياسي.
- ما الذي يلفت انتباهكم في الدورة الثانية عشرة من المهرجان؟
هذه الدورة تحمل طابعًا تذكاريًا وإنسانيًا واضحًا، لأنها مهداة إلى ذكرى محمد بكري، الذي يقدَّم بوصفه أحد رموز المقاومة الثقافية الفلسطينية، مع برمجة تحية خاصة له وعرض فيلم «واجب» بحضور ابنه صالح بكري بصورة محتملة. هذا يمنح الدورة بعدًا عاطفيًا وتاريخيًا إضافيًا، ويجعلها أكثر وعيًا بفكرة الذاكرة الفنية نفسها، لا بالأفلام الجديدة فقط.
ومن العناصر البارزة جدًا هذا العام إبراز تعدد الأصوات داخل البرمجة. فالنصوص التعريفية بالدورة تشدد على «pluralité des voix»، أي تعددية الأصوات، ليس فقط عبر مخرجين ومخرجات فلسطينيين، بل أيضًا عبر حضور فنانين من العراق ومن بلدان أوروبية، يتحاورون حول المنفى والذاكرة والكرامة. هذا يعني أن الدورة الثانية عشرة لا تنظر إلى فلسطين كقضية معزولة، بل تضعها داخل حوار فني أوسع، عابر للحدود، وهذه نقلة ذكية مقارنة بأي صيغة أضيق أو أكثر انغلاقًا.
كذلك يلفت الانتباه أن هذه الدورة تعطي مكانة خاصة للمخرجات النساء وللسينما العراقية، بحسب التغطية الصحفية المحلية. هذه ليست مجرد ملاحظة جانبية؛ بل مؤشر إلى أن المهرجان يوسّع زاوية الرؤية، ويشتغل على التقاطعات: فلسطين مع تجارب عربية أخرى، والسينما الفلسطينية مع أصوات نسائية أكثر حضورًا ووضوحًا. هنا يصبح المهرجان أقل أحادية وأكثر تركيبًا، وهذا بالضبط ما يجعل الدورة الثانية عشرة مميزة.
وهناك نقطة أخرى مهمة: الخطاب المرافق لهذه الدورة أكثر صراحة في ربط السينما بفعل الصمود الثقافي تحت الحرب، وخصوصًا في ظل ما يجري في غزة والضفة الغربية.
بعض التقديمات الخاصة بالمهرجان تصفه بوضوح كمساحة تُظهر استمرار الخلق السينمائي «وسط الحرب والاضطهاد»، وتعتبر أن الاستمرار في صناعة الأفلام هو بحد ذاته فعل بقاء. هذا لا يعني أن الدورات السابقة لم تكن ملتزمة، لكن الدورة الثانية عشرة تبدو أكثر التصاقًا باللحظة التاريخية نفسها، وأكثر وعيًا بوظيفة السينما كذاكرة حيّة وموقف ثقافي.
- كيف تلاحظون تفاعل الجمهور الفرنسي مع الأفلام الفلسطينية من منظور نقدي؟
ألاحظ أن الجمهور الفرنسي يتفاعل مع الأفلام الفلسطينية اليوم بجدية متزايدة، لا بوصفها مادة سياسية فقط، بل كأعمال سينمائية كاملة.
لم يعد التلقي قائمًا على التعاطف العاطفي وحده، بل صار أكثر ميلًا إلى الفهم والحوار والنقاش النقدي.
وهذا يعني أن المتفرج الفرنسي أصبح أكثر انتباهًا إلى الصورة، والبناء، والإيقاع، واللغة الفنية للفيلم.
كما أن هناك تقديرًا واضحًا للأفلام التي تكشف الحياة الفلسطينية اليومية بعيدًا عن التناول الإعلامي المباشر.
أي إن فلسطين تظهر هنا كواقع إنساني معقّد، وليس كعنوان سياسي مجرد. لكن يبقى هناك أحيانًا توتر بين قراءة الفيلم كوثيقة سياسية وقراءته كمنجز جمالي. ومع ذلك، يبدو أن هذا التلقي الفرنسي يتجه تدريجيًا نحو مزيد من النضج والعمق النقدي.
- لماذا تعتبر السينما وسيلة فعالة لنقل الواقع الفلسطيني إلى العالم؟
تعد السينما وسيلة فعالة لنقل الواقع الفلسطيني إلى العالم لأنها قادرة على تحويل الخبر السياسي الجاف إلى تجربة إنسانية محسوسة.
فهي تنقل الحدث، وتنقل وجوه الناس، تفاصيل الحياة اليومية، الخوف، الحب، الفقد، والانتظار.
ومن خلال الصورة والصوت والزمن، تمنح المتفرج إحساسًا مباشرًا بما يعيشه الفلسطيني، كما أن السينما تتجاوز اللغة والخطابات الأيديولوجية، فتصل إلى جمهور واسع من ثقافات مختلفة.
وهي أيضًا تكسر الصورة النمطية، لأنها تُظهر فلسطين كمجتمع حيّ مليء بالتفاصيل والتناقضات.
لهذا تصبح السينما أداة شهادة وذاكرة ومقاومة في آن واحد.
إنها تجعل العالم يشاهد فلسطين ويشعر بها.
- ما الاتجاهات أو الأساليب الفنية الجديدة التي لاحظتموها في الأفلام الفلسطينية الحديثة؟
يمكن ملاحظة أكثر من اتجاه فني جديد في الأفلام الفلسطينية الحديثة.
أول ما يلفت النظر هو صعود الشكل الهجين بين الوثائقي واليومي والشهادة المباشرة؛ أفلام مثل No Other Land تعتمد تصويرًا ملاصقًا للحدث، سريعًا وخشنًا ومشحونًا بوظيفة إثباتية، كأن الكاميرا صارت في آن واحد أداة سينما وأداة دليل.
الاتجاه الثاني هو المزج بين المأساة والسخرية السوداء. في Once Upon a Time in Gaza مثلًا نرى إعادة توظيف لأكواد الويسترن والكوميديا السوداء داخل واقع غزة، بما يكسر النبرة التقريرية الثقيلة ويخلق لغة أكثر مكرًا ومرارة.
وهناك أيضًا ميل واضح إلى الشكل الجماعي والأنطولوجي: مشروع From Ground Zero جمع 22 فيلمًا قصيرًا من غزة، بمزيج من الوثائقي والروائي والتجريبي، ما يعني أن الصوت الفلسطيني لم يعد يُقدَّم دائمًا عبر مخرج واحد ورؤية واحدة، بل عبر فسيفساء من الذوات والزوايا والأساليب.
كما يبرز اتساع حضور الأصوات النسائية، ليس فقط بوصفها موضوعًا، بل بوصفها موقعًا للسرد وصناعة الشكل، كما يظهر في Women From Ground Zero المكون من سبعة أفلام قصيرة صنعتها نساء من غزة.
ومن زاوية أوسع، تؤكد برمجات مهرجانات مثل "سينما فلسطين" و"لندن فلسطين" على تعددية السينما الفلسطينية المعاصرة، وعلى انتقالها من خطاب واحد مباشر إلى تعدد في الأشكال والطبقات: الذاكرة، البقاء، التمثيل، والأسئلة الجمالية نفسها.