صراع الملاذات الآمنة بين الذهب والفضة.. خبراء يكشفون عن الخيار الأكثر ربحا
أعاد تراجع أسعار المعادن النفيسة خلال الفترة الأخيرة الجدل بين المستثمرين بشأن الخيار الأفضل للحفاظ على المدخرات وتحقيق العائد: هل يظل الذهب الملاذ الأكثر أمانا، أم تقدم الفضة فرصة أكبر للنمو بفضل انخفاض سعرها واتساع استخداماتها الصناعية؟
وتكشف آراء خبراء الاقتصاد وأسواق المعادن أن الإجابة لا ترتبط بحركة الأسعار وحدها، بل تتوقف على حجم رأس المال، والمدة الزمنية للاستثمار، وقدرة المستثمر على تحمل التقلبات، والهدف الأساسي من الشراء، سواء كان الحفاظ على قيمة الأموال أو تحقيق عوائد أعلى.
ويرى الخبراء أن الذهب يظل أكثر استقرارًا وملاءمة للباحثين عن التحوط من التضخم وحماية الثروة، بينما قد تحقق الفضة مكاسب أكبر في فترات الصعود، لكنها تتحرك بوتيرة أكثر حدة وتتراجع بنسب أكبر عندما تتعرض الأسواق لموجات بيع.
الذهب أم الفضة؟
يختلف الذهب عن الفضة من حيث طبيعة الطلب والعوامل التي تحرك الأسعار، فرغم تصنيفهما ضمن المعادن النفيسة، فإن الاستخدام الاستثماري يمثل المحرك الأبرز للذهب، بينما تتأثر الفضة بصورة أكبر بالنشاط الصناعي العالمي.
ويستخدم الذهب باعتباره مخزنًا للقيمة وأداة للتحوط من التضخم وتقلبات العملات والمخاطر الجيوسياسية، كما تدعم مشتريات البنوك المركزية والطلب على السبائك والعملات الذهبية أسعاره على المدى الطويل.
أما الفضة، فتجمع بين الطلب الاستثماري والاستخدام الصناعي، إذ تدخل في قطاعات متعددة، ما يجعل سعرها أكثر ارتباطًا بدورات النمو الاقتصادي والإنتاج الصناعي، إلى جانب تحركات الدولار وأسعار الفائدة.
ويعني ذلك أن المستثمر في الذهب يراهن بصورة أساسية على الحفاظ على القوة الشرائية لأمواله، بينما يراهن مشتري الفضة على زيادة الطلب الصناعي ونقص المعروض، لكنه يتحمل في المقابل تقلبات سعرية أكبر.

وقال الخبير الاقتصادي المصري،محمد البهواشي لـ"العين الإخبارية" إن الفضة تتمتع باستخدامات صناعية أوسع مقارنة بالذهب، موضحا أن الطلب على المعدن الأبيض لا يقتصر على الاستثمار أو صناعة الحلي.
وأضاف أن انخفاض سعر الفضة مقارنة بالذهب يتيح لأصحاب رؤوس الأموال الصغيرة دخول سوق المعادن النفيسة، كما يمنح المستثمر فرصة لشراء كميات أكبر بمبالغ محدودة.
وأوضح البهواشي أن الثقافة الاستثمارية في مصر لا تزال تميل إلى الذهب، باعتباره الأداة الأكثر شهرة للحفاظ على المدخرات، لكن سلوك المستهلكين شهد تطورًا خلال السنوات الأخيرة.
وأشار إلى أن شريحة متزايدة من المشترين تحولت من اقتناء المشغولات الذهبية، التي تتضمن مصنعية مرتفعة نسبيًا، إلى شراء السبائك والجنيهات الذهبية المخصصة للادخار والاستثمار.
ويرى البهواشي أن حجم السيولة المتاحة يمثل عاملًا أساسيًا عند الاختيار بين الذهب والفضة، فقد تكون الفضة أكثر ملاءمة لمن يمتلك رأس مال محدودًا، بينما يظل الذهب الخيار التقليدي لأصحاب المدخرات الأكبر.
كما نصح المستثمرين أصحاب السيولة المحدودة بدراسة الاستثمار في صناديق الذهب، التي تتحرك وثائقها بصورة مرتبطة بأسعار المعدن، وتجنب المستثمر مخاطر الاحتفاظ بالذهب في المنزل، مثل السرقة أو الفقد.
ويرى الخبير الاقتصادي المصري، محمد أنيس أن تراجع أسعار الذهب والفضة دفع المعدنين إلى مستويات أكثر جاذبية للشراء، لكنه شدد على ضرورة التعامل مع الاستثمار في المعادن النفيسة بمنظور متوسط أو طويل الأجل.
وقال لـ"العين الإخبارية" إن الذهب يمثل الخيار الأكثر ملاءمة لمن يستهدف الحفاظ على قيمة مدخراته في مواجهة التضخم وتراجع القوة الشرائية للعملات، بينما قد توفر الفضة فرصًا أكبر لتحقيق نمو في رأس المال.
وأوضح أن الطلب على الفضة يعتمد بدرجة كبيرة على الاستخدام الصناعي، في ظل استمرار الفجوة بين الإنتاج العالمي والاستهلاك خلال السنوات الماضية.

وأشار إلى أن الفضة غالبًا ما تُستخرج بوصفها منتجًا مصاحبًا عند استخراج النحاس أو الذهب ومعادن أخرى، بينما يظل عدد المناجم التي تركز بصورة أساسية على إنتاج الفضة محدودًا، ما يجعل زيادة المعروض بوتيرة سريعة أمرًا صعبًا.
ووضع أنيس 3 سيناريوهات محتملة لسوق الفضة خلال السنوات الخمس المقبلة؛ الأول يتمثل في ارتفاع الأسعار بصورة كبيرة وربما تضاعفها إذا استمر العجز بين العرض والطلب.
أما السيناريو الثاني، فيرتبط بحدوث تطور في تقنيات التنقيب والاستخراج يسمح باكتشاف وإنتاج كميات أكبر، بينما يتمثل السيناريو الثالث في ظهور بدائل صناعية تقلل الاعتماد على الفضة وتضغط على الطلب.
وأكد أن الاختيار بين الذهب والفضة يجب ألا يقوم على توقعات الارتفاع فقط، بل على مدى تحمل المستثمر للمخاطرة، وحجم رأس المال، والمدة التي يستطيع خلالها الاحتفاظ بالاستثمار دون الحاجة إلى السيولة.
وبحسب أنيس، فإن الذهب قد يكون الأنسب للراغبين في حماية أموالهم، بينما تناسب الفضة من يمتلك مبلغًا أقل، ويستطيع تحمل تقلبات أكبر مقابل احتمالات تحقيق عائد أعلى على المدى الطويل.
مستويات حاسمة قبل قرار الشراء
من جانبه، قال خبير صناعة وتجارة المجوهرات والذهب، أمير رزق، لـ"العين الإخبارية" إن الذهب يحاول بناء منطقة استقرار قرب مستوى 4000 دولار للأوقية.
وأوضح أن بقاء الذهب فوق هذا المستوى قد يمثل إشارة إلى تكوين قاعدة دعم، لكن تأكيد الاتجاه الصعودي يحتاج إلى اختراق مستويات أعلى.
ويرى رزق أن تجاوز الذهب مستوى 4200 دولار للأوقية قد يزيد جاذبيته ويدعم احتمالات استكمال الصعود، بينما قد يؤدي فقدان مستوى 4000 دولار إلى عودة الضغوط البيعية.
وفيما يتعلق بالفضة، أشار إلى أنها تحركت بوتيرة أسرع من الذهب، ووجدت دعما قرب مستوى 57.5 دولار للأوقية.
وأضاف أن تجاوز الفضة مستوى 60 دولارًا قد يعزز فرص الشراء من الناحية الفنية، لكنه أكد أن السوق لا يزال في مرحلة تحتاج إلى الانتظار ومراقبة الاتجاه قبل اتخاذ قرارات استثمارية كبيرة.
وتعكس هذه المستويات اتساع نطاق التقلبات في أسواق المعادن النفيسة، ما يجعل الدخول التدريجي أكثر توازنًا من توجيه كامل السيولة إلى الشراء عند مستوى واحد.

وحذر رئيس شعبة الذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية في مصر، هاني ميلاد، من التعامل مع الفضة باعتبارها بديلًا مماثلًا للذهب من حيث مستوى الأمان.
وقال لـ"العين الإخبارية" إن الفضة تحقق ارتفاعات كبيرة عندما تصعد الأسواق، لكنها تتعرض أيضًا لخسائر أشد عند الهبوط، بسبب طبيعة تداولها وسرعة تحركاتها السعرية.
وأوضح أن انخفاض سعر الفضة مقارنة بالذهب شجع المستثمرين على زيادة الطلب عليها خلال الفترة الماضية، وساهم في ارتفاعها من مستويات كانت تتراوح بين 20 و30 دولارًا للأوقية إلى مستويات غير مسبوقة.
لكن الارتفاعات الكبيرة جذبت في الوقت نفسه المضاربات، وهو ما زاد من حدة تقلبات المعدن الأبيض، وجعله أكثر تأثرًا بموجات البيع وجني الأرباح.
وأشار ميلاد إلى أن الفضة سجلت نسب هبوط أكبر من الذهب خلال موجة تراجع المعادن النفيسة، مؤكدًا أن نسبة الفضة داخل المحفظة الاستثمارية يجب أن تكون أقل من الذهب بالنسبة للمستثمر الذي يسعى إلى تحقيق توازن بين العائد والمخاطر.
لماذا يختار المشترون الذهب؟
يميل الخبراء إلى ترجيح الذهب لمن يضع الحفاظ على قيمة الأموال في مقدمة أولوياته، ولا يرغب في تحمل تقلبات سعرية حادة. ويتميز الذهب بسهولة البيع والشراء، ووجود سوق واسعة له داخل مصر، إلى جانب تنوع أوزان السبائك والجنيهات الذهبية المتاحة للأفراد.
كما يتمتع الذهب بقبول أكبر باعتباره أصلًا ادخاريًا، وهو ما يجعل تسييله أسهل في حالات الحاجة إلى الأموال مقارنة ببعض منتجات الفضة. لكن الاستثمار في الذهب لا يخلو من المخاطر، إذ يمكن أن تتراجع الأسعار لفترات نتيجة ارتفاع الدولار أو عوائد السندات أو تشدد السياسة النقدية الأمريكية.
كما تؤثر المصنعية وفارق السعر بين البيع والشراء على العائد، خصوصًا عند الاستثمار لفترة قصيرة.
متى تكون الفضة الخيار الأفضل؟
قد تكون الفضة أكثر ملاءمة للمستثمر الذي يمتلك رأس مال محدودًا، ويرغب في شراء معدن نفيس بكميات أكبر، ولديه استعداد لتحمل تذبذبات قوية.
كما يمكن أن تستفيد الفضة من نمو الطلب الصناعي، خاصة إذا استمر نقص المعروض مقارنة بالاستهلاك.
لكن المستثمر في الفضة يحتاج إلى الانتباه إلى أن السوق المحلية أقل اتساعًا وسيولة من سوق الذهب، وقد تختلف فروق البيع والشراء والمصنعية بصورة واضحة بين التجار والمنتجات.
ويتعين كذلك التأكد من درجة نقاء السبائك الفضية وشراء المنتجات من شركات موثوقة، مع الحصول على فاتورة رسمية توضح الوزن والعيار والمصنعية.