الذكاء الاصطناعي تهديد صامت للعقل البشري.. نهاية مؤلمة للروح والإبداع
ألقت تقارير إعلامية مؤخرا الضوء على الأضرار المتزايدة للذكاء الاصطناعي على الصحة العقلية والذهنية، في ظل تزايد الاعتماد عليه في الكثير من مناحي الحياة.
واعتبر تقرير نشره موقع أكسيوس أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، رغم تدريبها على محاكاة الكتابة البشرية، بدأت تؤثر في تنوع الأسلوب اللغوي حيث تصبغه بمظهر نمطي يقلل من تنوع طرق الكتابة وطرق التعبير لدى المستخدمين.
وتُظهر دراسات حديثة، من بينها بحث لجامعة جنوب كاليفورنيا، أن تنوع أساليب الكتابة في مجالات مثل المقالات العلمية والأخبار المحلية ووسائل التواصل الاجتماعي انخفض بشكل ملحوظ بعد إطلاق "شات جي بي تي". ويُعزى ذلك إلى ميل المستخدمين لاعتماد أنماط لغوية أكثر “توحيدًا” وأقل تنوعًا في بناء الجمل واختيار المفردات.
تنميط الكتابة
كما رصد باحثون في معهد ماكس بلانك أن كلمات بعينها يفضلها ChatGPT مثل “يتعمق”، “دقيق”، “يتباهى”، و“يفهم” أصبحت أكثر شيوعًا في الاستخدام اليومي، وذلك بناءً على تحليل أكثر من 740 ألف ساعة من المحتوى.
ويرى خبراء أن هذا التأثير لا يقتصر على مستخدمي الذكاء الاصطناعي فقط، بل يمتد حتى إلى غير المستخدمين، الذين بدأوا يقلدون هذا النمط اللغوي “المثالي والنمطي”. ويصف مختصون هذا الأسلوب بأنه صحيح نحويًا لكنه يفتقر إلى “الروح” والإبداع.
في المقابل، يحذر لغويون من أن السعي وراء ما يشبه “كتابة ChatGPT المثالية” قد يؤدي إلى تآكل الأصوات الفردية، وظهور الأسلوب البارد والمكرر. وتشير تقديرات إلى تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي، إذ يستخدمه 32% من الشركات الصغيرة في خدمة العملاء، بينما يعتمد عليه 16% من الأفراد في التواصل ووسائل التواصل الاجتماعي.
ويخلص الباحثون إلى أن فقدان “صعوبة الكتابة” قد يحرم الأفراد والمجتمعات من عملية التفكير نفسها، لأن الكتابة ليست مجرد نقل أفكار، بل وسيلة لتشكيلها.
صعوبة التفكير
في سياق متصل، قال تقرير لصحيفة اللموند الفرنسية إن الكتابة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل أداة أساسية لتنظيم الأفكار وفهم العالم. يأتي ذلك في سياق تراجع كبير في الكتابة التقليدية مع صعود الذكاء الاصطناعي وأساليب التواصل السريع.
ونقل التقرير عن الكاتبة الأمريكية فلانري أوكونور قولها "أكتب لأنني لا أعرف ما أفكر فيه حتى أقرأ ما كتبته”. وتظهر البيانات هذا التحول بوضوح؛ إذ انخفض متوسط عدد الرسائل المكتوبة يدويًا في فرنسا، على سبيل المثال، من 45 رسالة سنويًا عام 2008 إلى نحو 5 رسائل فقط في عام 2020. كما أظهر استطلاع عام 2023 أن 78% من الناس أصبحوا يكتبون باليد أقل بكثير مقارنة بما قبل 10 سنوات.
في المقابل، تتوسع أشكال التواصل الصوتي والمرئي، مثل الرسائل الصوتية التي تُرسل منها نحو 7 مليارات رسالة يوميًا عبر واتساب، إلى جانب انتشار الفيديوهات التعليمية والبودكاست والملخصات الصوتية، ما يعكس تراجعًا تدريجيًا للنص المكتوب.
ويرى التقرير أن هذا التحول لا يقتصر على أساليب التواصل فقط، بل يمتد إلى طريقة التفكير نفسها، إذ إن الكتابة تسهم في تشكيل التفكير وتنظيمه. ومع تزايد اعتماد الطلاب على الأدوات الرقمية، أصبحت هناك صعوبات ملحوظة في قراءة الروايات الكاملة أو كتابة مقالات مستقلة.
ويؤكد التقرير أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في الكتابة قد يعمّق هذا التحول، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل التفكير البشري في ظل تراجع ممارسة الكتابة التقليدية.
تهديد القدرات الذهنية
وفي دراسة نشرها مركز الصحة والرفاهية (Center For Health & Well-Being) في وقت سابق، توصل الباحثون إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة لتطوير المجتمعات، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديًا مهمًا يتمثل في الحفاظ على الاستقلال الفكري والقدرات المعرفية، من خلال استخدام واعٍ ومتوازن للتكنولوجيا.
وفي حين أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، إذ يسهّل كل شيء من عمليات البحث إلى اتخاذ القرارات المعقدة. ورغم أن أدوات الذكاء الاصطناعي توفر الراحة والكفاءة، لكنها في الوقت نفسه تثير مخاوف تتعلق بنقل المهام الذهنية إلى أدوات خارجية.
ومع تزايد الاعتماد عليه، يحذر خبراء من أنه قد يؤدي إلى تراجع مهارات التفكير النقدي وتغيير العمليات المعرفية الأساسية. ومع ذلك، لا يتعلق الأمر بتجنب استخدامه بالكامل، إذ إن دمج الذكاء الاصطناعي ضروري لتقدم المجتمعات، بل إن الاستخدام المعتدل له قد يحمل آثارًا معرفية إيجابية إذا تم بشكل متوازن ومدروس.
التفويض المعرفي
ووفقا للباحثين، فإن أدوات الذكاء الاصطناعي، من المساعدات الذكية إلى الخوارزميات التنبؤية، أدت إلى زيادة “الإحالة المعرفية” (cognitive offloading)، حيث يعتمد الأفراد على التكنولوجيا في التذكر وحل المشكلات. وقد سبقت هذه الظاهرة ما يُعرف بـ“تأثير غوغل”، لكنها أصبحت أكثر تعقيدًا مع توسع دور الذكاء الاصطناعي في التحليل والاستنتاج.
وتشير أبحاث حديثة إلى وجود علاقة سلبية بين الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي وقدرات التفكير النقدي، خاصة لدى الشباب، حيث يؤدي الاعتماد الكبير عليه إلى تقليل الجهد الذهني وزيادة القبول غير النقدي للمخرجات. كما أن الثقة الزائدة في النتائج قد تقلل من التحقق المستقل من المعلومات، إلى جانب تعزيز التحيزات الخوارزمية.