شهية السلطة تغري فرع القاعدة بمالي.. براغماتية تفتح باب المواجهة
لم تعد جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» في مالي تتحرك فقط كتنظيم «إرهابي»، بل باتت تُظهر مؤشرات على محاولة إعادة تقديم نفسها كفاعل سياسي يسعى لبناء نفوذ محلي وتحالفات أوسع داخل المعادلة الداخلية.
تحول، يعكس محاولة للانتقال من استخدام العنف وسيلة إلى «إدارة النفوذ» في منطقة تموج بالصراعات، إلا أنه سيجابه بضغوط من تنظيم «داعش»، الذي يخوض معه صراعًا دمويًا، حاول الأخير استغلاله باستقطاب المتشددين الساخطين داخل صفوفها.
وتقول صحيفة «فايننشال تايمز»، إن جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» في مالي تهدف من وراء هجومها على العاصمة إلى الوصول للسلطة.
وفي هجوم خاطف، اجتاح مقاتلو جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» بلدات ومدنًا في مختلف أنحاء مالي، ما أجبر القوات الروسية والمالية على الانسحاب من مواقع استراتيجية عبر الدولة الواقعة في غرب أفريقيا.
وفي الهجوم، قتل الرجل الثاني في المجلس العسكري الحاكم، فيما بدأت الجماعة فرض حصار متزايد على العاصمة باماكو، مانعة وصول الوقود والغذاء إلى سكانها المحاصرين.
ويعرف الماليون جيدًا عنف الجماعة الإرهابية التي تسعى لفرض حكم متشدد في البلاد. لكن مراقبين للجماعة يقولون إن نجاحاتها الأخيرة تعكس أيضًا نهجًا أكثر براغماتية يهدف إلى بناء تحالفات وكسب ائتلاف أوسع في سبيل الوصول إلى السلطة.
واتخذت الجماعة، التي يُقدّر عدد مقاتليها بنحو 6 آلاف عنصر في المنطقة، خطوات لإقناع الماليين بأنها تخفف من تشددها الأيديولوجي. فقد نسّقت هجومها مع «جبهة تحرير أزواد»، وهي قوة انفصالية من الطوارق وغير إسلامية، ووصفتها بشكل غير معتاد بأنها «إخوة».
شهية السلطة
وبدلًا من التشدد في الخطاب، بدأت الجماعة تتحدث بحذر أكبر عن تقديم مستقبل أفضل لجميع الماليين. كما أصدرت هذا الشهر بيانًا نادرًا باللغة الفرنسية، التي طالما تجنبت استخدامها.
وقالت الجماعة في البيان: «ندعو جميع الوطنيين المخلصين، دون استثناء، إلى النهوض والتوحد»، مؤكدة أنها تسعى إلى «مرحلة انتقالية سلمية ومسؤولة وشاملة».
وأفاد مراقبو الأمم المتحدة في يوليو/تموز بأن الجماعة «تتابع التطورات في سوريا عن كثب، والتي قد تشكل نموذجًا يُحتذى إذا قررت يومًا ما الانفصال عن القاعدة».
وتوجد مؤشرات أخرى على أن الجماعة تحاول تغيير تكتيكاتها. فبعد سنوات من القتال الذي أودى بحياة الآلاف في منطقة الساحل، امتنعت عن خطف الغربيين وقلّصت الهجمات العشوائية على المدنيين.
كما بدأت تبتعد أكثر فأكثر عن تنظيم القاعدة. فقد توقفت عن إصدار بيانات مشتركة مع «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، الذي يُعد مرجعيتها الرسمية، وامتنعت عن المشاركة في الحملات الإعلامية للتنظيم. بل إن بعض المحللين يتوقعون أنها قد تسعى مستقبلًا إلى فك ارتباطها به بالكامل.
وتبادل مراسل صحيفة «فايننشال تايمز» رسائل مع قائد محلي في الجماعة قال إنه يتمركز في منطقة غابات غرب باماكو، وكان يدير حسابًا على مواقع التواصل ينشر مقاطع قتالية وبيانات للجماعة، ويعرض أموالًا مقابل معلومات.
لكنّ الجماعة لا تملك الإمكانات الكافية للسيطرة على باماكو والاحتفاظ بها، وقد أبدت اهتمامًا بالتواصل مع قوى أخرى معارضة للنظام العسكري في العاصمة.
وقال وسيم نصر: «من المستحيل أن يسيطروا على باماكو وحدهم. إذا أرادوا الوصول إلى السلطة، بطريقة أو بأخرى، فسيتعين عليهم تقديم تنازلات وإبرام صفقات مع الآخرين».
من جهته، قال بكاري سامبي من «معهد تمبكتو» إن الجماعة «تحاول الانتقال من صورة القوة الغازية الخارجية إلى حركة وطنية». وأضاف: «إنهم يريدون أن يكونوا جزءًا من اللعبة السياسية في باماكو».
نهج براغماتي
لكن هناك أسبابًا تدعو إلى التشكيك. فلا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا النهج البراغماتي مجرد تكتيك مؤقت أم أنه يعكس تحولًا استراتيجيًا أعمق له تبعات سياسية طويلة الأمد.
وقال إيفان غيشوا، الخبير في شؤون مالي بمركز بون لدراسات النزاعات: «إنهم يريدون تقديم أنفسهم كأنهم مستعدون لتكرار النموذج السوري»، مضيفًا: «لكن عمليًا هناك عقبات كثيرة تحول دون الوصول إلى السلطة بالطريقة نفسها».
وأشار غيشوا إلى أن تنظيم القاعدة اعتاد منح فروعه قدرًا من المرونة والتكيف مع العادات والظروف المحلية لكسب التأييد، كما حدث عندما ظهر في مالي قبل أكثر من عقد.
ومع ذلك، قد يكون عامل الوقت حاسمًا بالنسبة للجماعة، إذ ستواجه معضلة استراتيجية خطيرة كلما استمرت في تقديم نفسها بصورة أكثر اعتدالًا. فتنظيم «داعش»، الذي يخوض معها صراعًا دمويًا، بدأ يستقطب المتشددين الساخطين داخل صفوفها.
داعش في الواجهة
وهاجم تنظيم «داعش»، الأكثر عنفًا وتشددًا، بشدة تحالف الجماعة مع «جبهة تحرير أزواد» عبر صحيفته الأسبوعية «النبأ»، متهمًا القاعدة بـ«الخداع الأيديولوجي».
وقال وسيم نصر: «داعش، باعتباره منافسًا، يدرك بوضوح حجم الخطر»، مشيرًا إلى أن مسارات الاعتدال محفوفة بالمخاطر ولا تنجح دائمًا. وأضاف: «إنها عملية معقدة، ولا نعرف إلى أين ستنتهي».
ولا تزال هناك الكثير من الشكوك، إذ من المرجح أن ينتظر كثير من المقاتلين لمعرفة إلى أي مدى ستقودهم الحملة الحالية قبل تحديد ولاءاتهم النهائية.
وعندما سُئل مقاتل الجماعة الذي تحدث إلى «فايننشال تايمز» عما إذا كانت الجماعة تسعى للسيطرة على باماكو، نفى أن يكون ذلك الهدف الأساسي، قائلًا: «نحن نقاتل من أجل الشريعة. وإذا قررت الحكومة تحويل مالي إلى دولة إسلامية وتطبيق الشريعة، فسوف نلقي السلاح في اليوم نفسه».
وفي الأثناء، يستمر العنف، بينما تعيد القوات المالية وحلفاؤها الروس تنظيم صفوفهم في وقت يستعد فيه الماليون لمحاولات استعادة زمام المبادرة.
وبدا المسلح غير مهتم كثيرًا بكسب القلوب والعقول، إذ أرفق إعلانًا عن فرض حصار على باماكو، قال إن وحدته ستواصل تنفيذه حتى صدور أوامر جديدة، بتهديد مباشر: «لقد انتهى الأمر.. السكان لن يُستثنوا».