أمريكا والإرهاب في ساحل أفريقيا.. مالي تفتح باب العودة
لم تعد نيجيريا تنظر إلى ما يجري في مالي باعتباره أزمة تخص دولة مجاورة في منطقة الساحل، بل باتت تراه إنذارا لاحتمال انتقال الفوضى إلى عمق غرب أفريقيا.
فمع توسع نفوذ جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم القاعدة، وتحولها من مجرد تنظيم متمرد إلى قوة قادرة على محاصرة باماكو وتهديد مؤسسات الدولة، تبدو الحدود الأفريقية المفتوحة وكأنها ممرات جاهزة لتصدير العنف نحو دول أكثر هشاشة ديموغرافيًا ودينيًا، وفي مقدمتها نيجيريا التي تقف أصلًا فوق خط صدع طائفي وأمني شديد الحساسية.
تخوفات، أثارها وزير الدفاع النيجيري الذي حذر من احتمال امتداد العنف من مالي إلى بلاده، إلا أن هذه التطورات -رغم خطورتها- فإنها تتيح للولايات المتحدة فرصة لإعادة الانخراط بفعالية في غرب أفريقيا عبر شراكات استخباراتية وعمليات نوعية محدودة، قبل أن تترسخ سيطرة الجماعة الإرهابية بشكل كامل.
وشهدت مالي أحداثا إرهابية في 27 أبريل/نيسان الماضي، حيث اجتاح مقاتلون من جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم القاعدة مدينة كيدال واستولوا على مخابئ أسلحة وقتلوا وزير الدفاع.
وبعد أيام، اقتحمت الجماعة سجنًا ماليًا شديد الحراسة يُلقب بـ«ألكاتراز أفريقيا»، يقع على بعد 60 ميلًا فقط من باماكو، في محاولة لتحرير سجناء بارزين من الجماعة والآن، تُحاصر هذه المليشيات الإرهابية العاصمة باماكو، التي يبلغ عدد سكانها 3 ملايين نسمة، حصارًا جزئيًا.
فهل تعود أمريكا للساحل؟
في 2022، طرد المجلس العسكري القوات الفرنسية وفي 2024، انسحبت القوات الأمريكية من المنطقة بناءً على طلب الحكومات المجاورة.
ويقول موقع «ذا ناشيونال إنترست» الأمريكي، إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جعلت من حماية المسيحيين المضطهدين في نيجيريا أولوية قصوى، ونفذت ضربات جوية لمرة واحدة ضد أهداف تنظيم داعش في شمال غرب نيجيريا يوم عيد الميلاد عام 2025.
وأوضح أنه قد تتاح الآن فرصة لتعاون أمني أكثر منهجية مع نيجيريا لاحتواء صعود جماعة نصرة الإسلام والمسلمين والجماعات المماثلة من خلال تدريب وعمليات بواسطة مسيرات.
ولا يتطلب هذا النهج وجود قوات برية، ولا بناء دول، ولا تغيير أنظمة، ولا التزامًا مفتوحًا إنما يتطلب إعادة انخراط استراتيجي وموجه مع شركاء غرب أفريقيا الراغبين في ذلك، حيث أضعفت موجة الانقلابات التي اجتاحت منطقة الساحل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، دون أن تؤدي إلى انهيارها.
ولا تزال نيجيريا والسنغال وساحل العاج وغيرها دولًا فاعلة تمتلك قوات أمنية كفؤة، لكنها تعاني من نقص الموارد والدعم.
وتمتلك الولايات المتحدة الأصول الاستخباراتية والقدرة التدريبية والعلاقات اللازمة لإحداث فرق ملموس دون الحاجة إلى وجود عسكري كبير، بحسب الموقع الأمريكي.
واستدل على رؤيته، بنجاح الضربة الأمريكية النيجيرية المشتركة في 15 مايو/أيار، والتي أسفرت عن مقتل أبو بلال المينوكي، أحد كبار قادة تنظيم داعش والذي كان ينشط في حوض بحيرة تشاد، مشيرًا إلى أنها دليل على نجاح فكرة تبادل المعلومات الاستخباراتية والشراكة الموجهة، حيث يمكن تحقيق نتائج ملموسة دون وجود أمريكي كبير على الأرض.
بمعنى آخر، تتمثل المهمة الأمريكية في احتواء النشاط وإعادة ترسيخ التعاون الأمني وتوفير تبادل المعلومات الاستخباراتية، وربما عمليات بالمسيرات تستهدف تقويض قدرة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على التوسع عبر الحدود.
وتتضمن المهمة الأمريكية أيضا على تسريع إيصال الأسلحة والمعدات إلى نيجيريا وغيرها من الدول المعرضة للخطر والضغط من أجل تعيين سفراء أمريكيين معتمدين لإعادة بناء هيكل أمني إقليمي.
تصدير النموذج الإرهابي
ومع تعزيز جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لسلطتها وتوسيع نفوذها في مالي، باتت في وضع يسمح لها بتصدير نموذجها شرقًا إلى نيجيريا، الدولة الأفريقية الأكثر اكتظاظًا بالسكان، والتي يبلغ تعداد سكانها ما يقارب 250 مليون نسمة، وتعد من أكبر اقتصادات القارة السمراء.
ولا يمكن للمجتمع النيجيري الذي يعيش أصلًا على حافة الهاوية بين شماله المسلم وجنوبه المسيحي أن يتحمل أن يكون التالي.
ويشهد شمال نيجيريا تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة الإرهاب حيث تستغل الشبكات الإرهابية في منطقة الساحل الانقسامات الدينية في البلاد، وتصور حملاتها بلغة «الحرب المقدسة»، في حين تتعرض المجتمعات الزراعية المسيحية لضغوط مباشرة ومتزايدة.
وبالنسبة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، فإن الهدف في نيجيريا ليس الغزو، بل إحداث الفوضى، خاصة وأن أبوجا لا تملك وحدها القدرة على توفير أمن موثوق على امتداد خط الانقسام بين الشمال والجنوب كما أن تصاعد العنف بين الأديان يهيئ الظروف الملائمة لتوسع الجماعات الإرهابية.
وبعدما كان في السابق شابا من نخبة الطوارق شمال مالي معروفا بإدمانه الويسكي وموسيقى "البانك روك"، يحكم إياد أغ غالي قائد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين اليوم قبضته على باماكو ويطيح بالقيادة الحكومية، ويجمع الأموال بطرق غير مشروعة حيث يتردد أن الجماعة تدير مركزًا رئيسيًا لتجارة الكوكايين عبر الصحراء الكبرى.