ثقافة

بالصور.. "خَداوج العمياء".. قصر يجسد مأساة فتاة فائقة الجمال

الثلاثاء 2017.12.19 03:55 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 2518قراءة
  • 0 تعليق
قصر "خداوَج العمياء"

قصر "خداوَج العمياء"

يعود تاريخ الجزائر إلى نحو 500 ألف سنة قبل الميلاد، منذ العصر الحجري؛ حيث تعاقب عليها العديد من الحضارات والأمم التي تركت آثارها، وبقيت شاهدة على كل حقبة. 

من بين القصص المثيرة للاهتمام قصة قصر "خَداوج العمياء" الكائن في أعالي منطقة القَصَبَة بالجزائر العاصمة، الذي اختلفت الروايات حول تحديد تاريخ بنائه؛ فمنها من أشارت إلى أن القصر شُيِّد عام 1570م على يد "يحيى رايس"، وهو أحد ضباط البحرية العثمانية.

في حين، تقول مصادر أخرى، إن تشييده النهائي بشكله الحالي كان في 1792م من قبل "حسان الخزناجي" وزير التجارة في ديوان داي الجزائر آنذاك "محمد بن عثمان"، وتضيف الرواية أنه قام بشرائه وإعادة تطويره ليهديه لابنته "خَدَاوج".


قصة "خدَاوج"

"خدَاوج" هو اسم "الدلع" في الدارجة الجزائرية لاسم "خديجة"، ويقال أيضا "خَدُّوجَة"؛ فهي بحسب الروايات التاريخية، امرأة عَجَز العلماء والفلاسفة عن إيصال حقيقتها كاملة، ولُقبت بـ"الأسطورة" التي رُوي عنها في عصر مضى، وبقيت حكايتها الممزوجة بين الواقع والخيال مبهمة إلى يومنا هذا.

لكن المُتفق عليه في كل الروايات، أن "خداوج" كانت فتاة "فائقة الجمال"، حيث كانت تعيش في قصر فخم مع والدتها ووالدها وأختها الكبرى "فاطمة".


حياة "خداوج" كما تذكر الروايات، كانت مختلفة عن حياة بنات سنها في عصرها، وحتى عن حياة شقيقتها، فكانت البنت المدللة باستمرار من والديها، خاصة من والدها الذي منحها اهتماما مبالغا فيه.

وعند عودته من إحدى سفرياته، أحضر الوالد هدية لابنته "خداوج"، وكانت عبارة عن مرآة ثمينة من زجاج يشبه في لمعانه الألماس بزخرفات منقوشة على حواشيها، لتصبح صديقتها المفضلة.

وأصبحت "خداوج" كثيرة النظر في المرآة، بعد أن صار جمالها يزداد يوما بعد يوم، وكانت كثيرة التسريح لشعرها وكثيرة التغيير لملابسها.


"خداوج" والعمى

تؤكد روايات تاريخية، أن الوزير "حسان الخزناجي" أقام حفلا في قصره، حضره عدد من الشخصيات المرموقة وسفراء دول، فأراد أن يُقدم لهم شيئا "يستدعي الإبهار"، فطلب من نساء القصر تزيين ابنته "خداوج" وإخراجها للزوار، وهو التزيين الذي استغرق لساعات كاملة.

وبعد الانتهاء من التزيين، "زاد جمال الفتاة جمالا" لتظهر "مثل البدر في ليلة اكتماله" كما ذكرت الروايات، فخرجت إلى بهو القصر حتى يراها الزوار، فإذا بالنساء الحاضرات "يشهقن" أمام جمال "خداوج".

فسارعت الفتاة إلى غرفتها لتتأكد من "جمالها الأخاذ" بنفسها، وعندما نظرت إلى المرآة "صُدمت من فرط جمالها، وأصيبت بالعمى في تلك اللحظة"، ومنذ ذلك الوقت أصبحت تُلقب بـ"خداوج العمياء".


فَشل الأطباء والحكماء بعد ذلك في علاجها، وخوفا على مصيرها، قرر والدها أن يهديها القصر الذي كانوا يقطنون به، ضماناً لمستقبلها بعد موته، لتَتَعود "خداوج" على حياتها الجديدة، وعاشت في القصر مع أبناء أختها "عمر ونفيسة" اللذين اعتنيا بها، ما زادها تعلقا بالحياة، إلى أن توفيت في تاريخ بقي مجهولا إلى يومنا هذا.

وبعد وفاتها سُمي القصر باسم "خداوج العمياء"، فكانت الفتاة الوحيدة في تاريخ الجزائر التي يُهديها والدها قصرا؛ ما جعل البعض يشبهها بقصة "قصر الحب الهندي"، بنسختها الجزائرية.


وبعد قرابة القرنين عن وفاة "خداوج"، استأجر القصر تاجر يهودي ثري يدعى "ميشيل كوهين بكري"، الذي جاء من مدينة جنوة الإيطالية للإقامة مع أسرته.

وفي سنة 1860م، قرر "نابليون الثالث" أن يجعل من القصر مكانا لإقامته مع زوجته "أوجيني"، مفضلا هذا القصر عن بقية القصور التي كانت موجودة في العاصمة الجزائرية بعد احتلالها من قبل المستعمر الفرنسي.


قصر "خداوجْ العمياء"

"بوابة العين الإخبارية" زارت القصر، وتجولت في مختلف أركانه وغرفه، فكل ما في القصر من داخله وخارجه شاهد على التصميم العمراني للدولة العثمانية، وفي مدخله نجد "الزريبَة" وهي المكان الذي تُجمع فيه الأحصنة ومختلف الدواب، تليها مباشرة "الدريبَة"، وتوجد فيها حنفية للاغتسال قبل الدخول إلى "السقيفَة"، وبها ممر طويل بسقف "مُقبب وسميك" وينتهي على جوانبه بأقواس جدارية مجوفة ومحمولة على أعمدة رخامية وأقواس بشكل حلزوني.


قصر يتحول إلى متحف

عام 1987 حولت السلطات الجزائرية قصر "خداوج العمياء" إلى متحف وطني للفنون والتقاليد الشعبية، الذي يعتبر متحفا "أنثوغرافي"، إذ يضم مئات التحف الفنية التقليدية، من بينها خزان للحبوب أو كما يسمى في اللهجة الجزائرية "المَطْمُورْ"، إضافة إلى آلات النسيج الخشبية والطرز، الخشب المنحوت، الأثاث، المزهريات، قدور الطبخ، الحلي، النحاس، الفخار وغيرها من التحف الأثرية.


كما يضم المتحف أيضا مختلف الصناعات التقليدية القديمة لكل مدينة جزائرية، من أسِرَّة بمختلف أنواعها وأحجامها، مهد الرضيع، زرابي، صالونات قديمة، جَمعت في قصر واحد "طريقة حياة" من تراث العاصمة ومنطقة القبائل والأوراس وتلمسان وقسنطينة والصحراء الشاسعة بمساحتها وتقاليدها وموروثها.


تعليقات