مالي بوابة التحول الأمريكي بالساحل الأفريقي.. خبراء يفسرون دلالات التغير
في وقت تتصاعد فيه التحديات الأمنية في القرن الأفريقي، ووسط تقارب أنظمة تلك المنطقة مع روسيا، تحاول الولايات المتحدة، مراجعة سياساتها تجاه الساحل الأفريقي، بزيارة كسرت بها الجمود في العلاقات.
الخطوة الأمريكية، الممثلة في زيارة نيك تشيكر، رئيس مكتب الشؤون الأفريقية في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى باماكو يوم الإثنين الماضي، اعتبرها خبراء سياسيون استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم، تمثل مؤشراً على تغيير جذري في سياسة الولايات المتحدة تجاه السلطات المالية الانتقالية والساحل الأفريقي بشكل عام.
خطوة تعكس رغبة واشنطن في إعادة الحوار مع مالي ودول الساحل، مع مراعاة المصالح الجيوسياسية والأمنية في المنطقة، بحسب الخبراء، الذين أكدوا أن المسعى الأمريكي يأتي بينما عززت روسيا حضورها العسكري والسياسي في المنطقة.
نهج جديد؟
تقول محطة «تي في 5 موند» الفرنسية، إن السياسة الأمريكية الجديدة تتجه نحو «الدبلوماسية التجارية» بدل التركيز على الديمقراطية، مما يعكس تحولاً في التعامل مع الأزمة في الساحل، مع التركيز على المصالح الاقتصادية والأمنية البراغماتية.
وأشار بيان مكتب الشؤون الأفريقية إلى أن الزيارة تعكس «احترام الولايات المتحدة لسيادة مالي ورغبتها في فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية وتصحيح الأخطاء السياسية السابقة».
وبحسب البيان فإن مناقشات باماكو شملت التشاور مع بوركينا فاسو والنيجر حول المصالح المشتركة في الأمن والاقتصاد، في محاولة لاستعادة النفوذ الأمريكي في المنطقة الاستراتيجية التي تراجعت فيها تأثيرات واشنطن لصالح روسيا، والصين، وتركيا.

من جانبه، يقول الدكتور بول سيمون هاندي، المدير الاقليمي لمعهد دراسات الأمن الأفريقي في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن الزيارة الأمريكية تعكس اعترافاً ضمنياً بسيادة المجلس العسكري المالي وقدرته على إدارة الدولة وسط الأزمات الإقليمية.
هاندي أوضح أن الالتزام الأمريكي بتطوير حوار متوازن يفتح المجال أمام تعزيز قدرات المؤسسات الوطنية دون التدخل المباشر في سياسات الحكومة الانتقالية.
فالتركيز على مصالح الأمن والتجارة يعكس إدراك واشنطن لأهمية شراكة مالية مستقلة في مكافحة الإرهاب، وأن المجلس العسكري قادر على الجمع بين الدعم الخارجي والحفاظ على القرار السيادي في مكافحة الجماعات المسلحة، يقول الباحث الإيفواري.
ولفت الباحث إلى أن هذه المقاربة الأمريكية الجديدة تمنح المجلس فرصة لتقوية استراتيجياته الدفاعية والاقتصادية، بما يشمل حماية الحدود وتأمين الممرات الحيوية، ما يعزز شرعيته الوطنية والدولية.
وأكد أن استمرار الشراكات مع الولايات المتحدة يجب أن يُقرأ كدعم استراتيجي لا كإضعاف للقدرات الوطنية، وأن المجلس أثبت أنه قادر على الموازنة بين التعاون الخارجي والسيادة الوطنية.
من جانبه، عبر وزير الخارجية المالي عبدالله ديوب عن تقديره لهذه المقاربة الأمريكية الجديدة، داعياً إلى تضمينها ضمن إطار يأخذ بعين الاعتبار التطورات الجيوسياسية، خصوصاً البعد الإقليمي المتعلق بـ"تحالف دول الساحل.
قلق أمريكي
تأتي الزيارة وسط قلق أمريكي متزايد من توسع الجماعات الإرهابية في المنطقة، والتي بدأت تنتشر نحو غرب وجنوب الساحل، باتجاه ساحل خليج غينيا.
ووفقاً لدبلوماسي أمريكي في باماكو، فإن واشنطن تراقب عن كثب كيفية ترسيخ التنظيمات الإرهابية لنفوذها، بحسب محطة "تي في 5 موند" الفرنسية.
لكن الساحل ليس منطقة جديدة للولايات المتحدة، فقد شكل محوراً مركزياً للسياسة الأمنية الأمريكية منذ أوائل الألفية، عبر برامج مكافحة الإرهاب التي تضمنت تدريب وتسليح القوات المحلية ودعم العمليات الفرنسية في مالي منذ 2013، بما في ذلك الاستخبارات والنقل الاستراتيجي والإمداد الجوي.

وقد استثمرت واشنطن بشكل كبير في النيجر، حيث أنفقت ملايين الدولارات على قاعدة أغادز، وأنظمة الطائرات دون طيار (درون) المسلحة وأنظمة المراقبة خلال العقد الماضي.
ومع ذلك، انهارت هذه البنية التحتية مع الانقلابات التي شهدتها المنطقة بين 2020 و2023.
شروط إعادة الحوار
يشترط الأمريكيون في هذا السياق عودتين رئيسيتين لإعادة الحوار:
- استعادة النظام الدستوري.
- إنهاء العقد مع «فيلق أفريقيا»، التابعة لروسيا (سابقًا مجموعة فاغنر).
بدورها، قالت الباحثة الفرنسية-المالية نيجالي باجايوكو، رئيسة برنامج أفريقيا في مركز شبكة قطاع الأمن الأفريقي ومقره دكار لـ«العين الإخبارية»، إن تغيير نبرة واشنطن يعكس تقديراً للنجاحات الجزئية للمجلس العسكري في الاستقرار الأمني وإدارة الملفات الإرهابية في مالي والساحل.
وأشارت إلى أن الولايات المتحدة تدرك أن «تعزيز القدرات المحلية هو الطريق الأمثل لمواجهة توسع الجماعات الإرهابية، وأن المجلس العسكري أثبت كفاءته في إدارة الموارد الوطنية واستغلال التحالفات الخارجية بما يخدم مصلحة الدولة دون الخضوع لضغوط خارجية مباشرة».
وأضافت أن الشراكات الأمنية والاقتصادية مع واشنطن توفر فرصة لتعزيز البنية التحتية ومكافحة الإرهاب بفعالية، مع الحفاظ على سيادة القرار المالي في إدارة الأزمة.
وتابعت أن المجلس العسكري يشكل قوة استقرار محورية في منطقة الساحل، وأن التعاون الجديد مع الولايات المتحدة يمكن أن يعزز من مكانته الإقليمية، ويساعد على مواجهة المخاطر الأمنية والإرهابية المتصاعدة بشكل متوازن واستراتيجي.