تحول تاريخي في خريطة النمو العالمي.. أفريقيا على أعتاب تجاوز آسيا اقتصاديا
كشفت تقديرات اقتصادية عن تحول تاريخي غير مسبوق في موازين النمو العالمي، إذ قد يشهد العام الجاري تفوق متوسط النمو الاقتصادي في أفريقيا على نظيره في آسيا، في سابقة لم يعرفها الاقتصاد العالمي المعاصر من قبل.
وقالت صحيفة «ليزيكو» الفرنسية إن هذا التحوّل اللافت في مؤشرات النمو العالمي، والذي يأتي في ظل تباطؤ الاقتصاد الصيني، يسلّط الضوء على ديناميات جديدة داخل القارة الأفريقية، لكنه في الوقت ذاته يطرح تحديات عميقة تتعلق بالبنية الاقتصادية والتحوّل الديموغرافي المرتقب.
وبعد سنوات طويلة من الصورة النمطية التي ربطت أفريقيا بعدم الاستقرار وضعف الأداء الاقتصادي، بدأت القارة تُظهر مؤشرات انتعاش واضحة. فبحسب خبراء الاقتصاد، قد يتجاوز متوسط النمو في الدول الأفريقية الأربع والخمسين هذا العام نمو القارة الآسيوية ككل.
وأكد كارل بيرناداك، مدير قسم التحليلات الاقتصادية في الوكالة الفرنسية للتنمية، أن «أفريقيا باتت اليوم على قدم المساواة تقريبًا مع آسيا من حيث وتيرة النمو».
من جهته، شدد ريمي ريو، المدير العام للوكالة الفرنسية للتنمية، على أن التحولات الجارية في القارة لا تحظى بالاهتمام الإعلامي الكافي، قائلًا: «لا يتم الحديث بما يكفي عن أفريقيا، رغم أن معدلات النمو فيها مرتفعة. أفريقيا تستيقظ، وهناك شيء عميق يحدث على مستوى القارة».
وجاء هذا التصريح خلال مؤتمر صحفي عُقد بمناسبة صدور التقرير السنوي «الاقتصاد الأفريقي 2026».
ويرتبط هذا التحوّل جزئيًا بتباطؤ النمو في آسيا، ولا سيما في الصين، التي تشهد مرحلة إعادة توازن اقتصادي بعد عقود من النمو السريع. وفي المقابل، تستفيد أفريقيا من مجموعة من العوامل الداعمة، من بينها تعافي النشاط الاقتصادي بعد الجائحة، وارتفاع الاستثمارات في قطاعات البنية التحتية والطاقة والاتصالات، إضافة إلى توسّع الأسواق الداخلية في عدد من الدول.
كما تلعب الرقمنة، والخدمات المالية المبتكرة، وتنامي الطبقة الوسطى دورًا متزايد الأهمية في تحفيز الطلب الداخلي.
وتبرز دول مثل نيجيريا، وكينيا، وساحل العاج، ورواندا، والسنغال كنماذج لنمو مدفوع بريادة الأعمال والاستثمار في رأس المال البشري.
غير أن هذا التفاؤل لا يخلو من الحذر؛ فبرغم التحسن في المؤشرات الكلية، لا تزال أفريقيا تواجه عراقيل بنيوية عميقة. فضعف القاعدة الصناعية، ومحدودية الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، والاعتماد المفرط على تصدير المواد الخام، وتفاوت مستويات التنمية بين الدول، كلها عوامل تُقيّد قدرة القارة على تحويل النمو إلى تنمية مستدامة وشاملة.
وأضافت الصحيفة الفرنسية أن مسألة الحوكمة، والاستقرار السياسي، وجودة المؤسسات العامة، تظل عناصر حاسمة في استمرارية هذا المسار الإيجابي، إذ إن الاستثمارات الأجنبية، رغم ارتفاعها، تبقى شديدة الحساسية للمخاطر السياسية والأمنية.
ويُعدّ الانفجار الديموغرافي المرتقب أحد أبرز التحديات التي تلوح في الأفق، فمن المتوقع أن يتضاعف عدد سكان أفريقيا خلال العقود المقبلة، ما يفرض ضغوطًا هائلة على سوق العمل، والتعليم، والصحة، والبنية التحتية. وإذا لم يُترجم النمو الاقتصادي الحالي إلى فرص عمل كافية، فقد تتحول هذه الدينامية السكانية من فرصة تاريخية إلى عامل عدم استقرار.
ويرى خبراء «ليزيكو» أن نجاح أفريقيا في تجاوز آسيا من حيث النمو لن يكون كافيًا بحد ذاته، ما لم يواكبه تنفيذ إصلاحات عميقة في نظم التعليم والتكوين المهني، إلى جانب سياسات صناعية قادرة على خلق قيمة مضافة محلية وتحسين إنتاجية العمل.
وفي المحصلة، تقف أفريقيا عند مفترق طرق تاريخي. فالمؤشرات الحالية تعكس قارة في طور التحوّل، وقادرة على لعب دور محوري في الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة. غير أن استدامة هذا التحوّل تظل مشروطة بقدرة الدول الأفريقية على معالجة اختلالاتها الهيكلية والاستعداد الجاد للصدمة الديموغرافية المقبلة.
وكما خلص تقرير «الاقتصاد الأفريقي 2026»، فإن أفريقيا لا تعيش مجرد انتعاش عابر، بل تقف على أعتاب مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة النمو العالمي، بشرط أن تتحول الأرقام الإيجابية إلى تنمية فعلية يشعر بها المواطن الأفريقي.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQg جزيرة ام اند امز