الاستقرار أولًا.. الجيش الأوغندي يكسر نمط الانقلابات الأفريقية
في قارة أنهكتها الانقلابات والتوترات المزمنة والصراعات المسلحة برز الجيش الأوغندي كحالة استثنائية، حالت دون انتقال فوضى الكونغو، وجنوب السودان، وشرق أفريقيا إلى الداخل الأوغندي.
ومع إعادة انتخاب الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني لولاية سابعة، يعود الجدل حول تجربته العسكرية-السياسية إلى الواجهة: هل صنع الرجل جيشًا لحماية الدولة أم دولةً محكومة بمنطق الأمن؟
خبراء أفارقة يرون أن الجيش الأوغندي، مثل «صمام أمان» حال دون انتقال فوضى الكونغو، وجنوب السودان، وشرق أفريقيا إلى الداخل الأوغندي، مشيرين إلى أنه بات اليوم أحد أكثر الجيوش الأفريقية تنظيمًا وقدرةً على فرض الاستقرار، مما جعله ركيزة أساسية للأمنين الوطني والإقليمي.
وكان الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني، وقف في يونيو/حزيران 2023 مرتديًا زيه العسكري كجنرال في قوات الدفاع الشعبية الأوغندية، أمام مجموعة من المجندين الجدد، منغمسًا في واحد من خطاباته المطولة التي يفضلها، والمليئة بالقصص التاريخية، والنصائح الشخصية، والدعوات الصريحة إلى الإخلاص للدولة، قائلا لهم: «أنتم تنضمون اليوم إلى قوة مرموقة. وإذا قمتم بما يجب، فستذهبون بعيدًا»، بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية.
ملفات أمنية معقدة
ورغم أن أوغندا، الدولة غير الساحلية في شرق أفريقيا، تأخرت على صعيد التنمية الاقتصادية والبشرية مقارنة ببعض جيرانها مثل كينيا، ولم تعرف أي تداول للسلطة منذ عام 1986، فإن قواتها المسلحة تعد «قوية للغاية ومتينة البنية»، بحسب دبلوماسي متخصص في شؤون منطقة البحيرات الكبرى.
وفي هذه المنطقة، تنافسها القوات الرواندية على النفوذ والظهور، لا سيما بعد أن تصدّرت رواندا عناوين الأخبار مطلع عام 2025، على خلفية دعمها لمتمردي «حركة 23 مارس (M23)» خلال سيطرتهم السريعة على مساحات واسعة من إقليمي شمال وجنوب كيفو في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.
وأشار المصدر ذاته إلى أن الجيشين الأوغندي والرواندي يتقاسمان «أوجه تشابه عديدة»، في مقدمتها القدرة على الانتشار خارج الحدود الوطنية، والانخراط في ملفات أمنية إقليمية معقدة.
من جانبه، قال الباحث السياسي الأوغندي المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية والتحولات السياسية في شرق أفريقيا وأستاذ العلوم السياسية بجامعة ماكيريري في أوغندا موسيس خيسا لـ«العين الإخبارية»، إن «الجيش الأوغندي يمثل العمود الفقري لاستقرار الدولة»، مشيرًا إلى أن موسيفيني نجح في بناء مؤسسة عسكرية وطنية منضبطة، قادرة على حماية البلاد من الانزلاق إلى الفوضى التي شهدتها دول أفريقية أخرى.
مؤسسة عسكرية قوية
وبحسب الباحث السياسي، فإن «الانتقادات الغربية تتجاهل في كثير من الأحيان الواقع الأمني الإقليمي الذي يفرض على أوغندا تبني مقاربة حازمة».
وأوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة ماكيريري في أوغندا، أن التجربة الأوغندية لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق التاريخي والأمني للمنطقة، مشيرًا إلى أن «أوغندا ورثت بعد الاستقلال دولة ضعيفة ومجتمعًا منقسمًا، وكان لا بد من بناء مؤسسة عسكرية قوية قادرة على إعادة فرض سلطة الدولة وحماية وحدتها».
فـ«موسيفيني أدرك مبكرًا أن الأمن هو الأساس لأي مشروع تنموي أو سياسي مستدام»، يقول أستاذ العلوم السياسية، مشيرًا إلى أن القوات المسلحة الأوغندية لعبت دورًا حاسمًا في تحييد الجماعات المتمردة، ومنع انتقال الفوضى من دول الجوار إلى الداخل الأوغندي.
من جانبه، قال الباحث في قضايا السلام والأمن الإقليمي، وعضو في مركز دراسات السلام والأمن بجامعة غولو في أوغندا أوكوت أوجين لاتيجو في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن الاستقرار الأمني الذي وفرته القوات المسلحة الأوغندية كان شرطًا أساسيًا للحفاظ على تماسك الدولة ومؤسساتها.
دور محوري
وبحسب لاتيجو فإن «أي تقييم موضوعي للتجربة الأوغندية يجب أن يضع في الاعتبار الدور المحوري للمؤسسة العسكرية في دعم النظام السياسي، وضمان استمرارية الدولة في محيط إقليمي شديد الاضطراب».
وأوضح الباحث في قضايا السلام والأمن الإقليمي أن النموذج الأوغندي، رغم ما يواجهه من تحديات تنموية، يظل مثالًا على كيفية توظيف المؤسسة العسكرية كأداة للاستقرار، وليس كعامل فوضى، في قارة ما زالت تعاني من هشاشة الدولة وتعدد بؤر الصراع.
وأضاف لاتيجو أن الاقتصاد لا يمكن أن ينمو في بيئة مضطربة، مشيرًا إلى أن أوغندا نجحت، رغم محدودية الموارد، في تجنب سيناريو الانهيار الذي شهدته دول غنية بالثروات لكنها فقيرة في الاستقرار، نظرًا لكون «العلاقة بين النظام الحاكم والمؤسسة العسكرية اتسمت، على مدى عقود، بقدر من التوازن سمح للجيش بأن يكون داعمًا للدولة لا منافسًا لها».
ويرى لاتيجو أن غياب الانقلابات العسكرية منذ الثمانينيات إنجاز سياسي وأمني بحد ذاته، مشددًا على أن أي إصلاحات مستقبلية يجب أن تبنى على هذا الاستقرار، لا أن تغامر بتقويضه، لأن كلفة الفوضى في السياق الأفريقي تبقى أعلى بكثير من كلفة الاستمرارية المدروسة.