«انسوا جيمس بوند».. الاستخبارات البريطانية تبحث عن هوية جديدة
تتولى بليز مترويلي، أول امرأة تقود جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني (إم آي6) مهمة إعادة تشكيل واحد من أكثر مؤسسات الدولة البريطانية غموضًا، في لحظة دولية تتسم بتصاعد الصراعات في أوروبا واتساع نطاق ما يُعرف بمناطق «الظل» الفاصلة بين السلم والحرب.
ويأتي تعيينها في وقت يسعى فيه الجهاز، على نحو متزايد، إلى إعادة تعريف صورته العامة، رغم طبيعته السرية، باعتباره مؤسسة حديثة وفعالة تعكس ملامح بريطانيا المعاصرة وقيمها المعلنة في التنوع والشمول وتجاوز الحواجز الطبقية.
ووفقًا لتقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي»، لم يعد جهاز الاستخبارات السرية البريطاني راغبًا في أن يُختزل في الصورة النمطية التي رسختها أفلام جيمس بوند بمبالغاتها الاستعراضية، ولا حتى في عالم جون لو كاريه القاتم والأكثر واقعية.
وبدلًا من ذلك، يسعى الجهاز إلى تقديم نفسه بوصفه مؤسسة أكثر انفتاحًا، تتيح للراغبين في الالتحاق بها التقدم عبر موقع إلكتروني رسمي، بعيدًا عن شبكات النخبة التقليدية المرتبطة بجامعتي أكسفورد وكامبريدج.
وقد عبّر المدير السابق للجهاز، السير ريتشارد مور، عن هذا التوجه بوضوح عندما أطلق وسم «انسوا جيمس بوند» للترويج لوظائف وصفها بأنها مناسبة للحياة العائلية داخل إم آي6.

في هذا الإطار، رأى بعض المراقبين أن تعيين مترويلي قد يندرج ضمن حملة العلاقات العامة التي ينتهجها الجهاز، لا سيما بعد أن سلّطت صحيفة فايننشال تايمز الضوء عليها عام 2022 في تقرير تناول صعود النساء إلى المناصب القيادية العليا، حيث كانت النساء يشغلن آنذاك ثلاثة من أصل أربعة مناصب رئيسية.
كما سبق لمور أن أعلن صراحة رغبته في أن تخلفه امرأة، في مفارقة لافتة بين الواقع والخيال، خاصة بعد أن جسدت الممثلة جودي دينش شخصية رئيسة إم آي6 في سلسلة أفلام جيمس بوند منذ منتصف التسعينيات.
غير أن اختزال مسيرة مترويلي في بعدها الرمزي وحده يُعد تبسيطًا مخلًا. فهي تمتلك سجلًا مهنيًا حافلا في العمل العملياتي، وسبق أن تولت رئاسة فرع «كيو» المسؤول عن العلوم والتكنولوجيا، وهو الاسم الذي انتقل من عالم السينما إلى الاستخدام الفعلي داخل الجهاز.
وإذا كانت أدوات العميل 007 في الأفلام نتاج خيال سينمائي، فإن التقنيات الواقعية التي طُورت تحت إشراف مترويلي تمثل إنجازات متقدمة في مجالات التصغير والإخفاء. وقد ذهب بعض المراقبين إلى قراءة ذوقها اللافت في ارتداء البروشات الكبيرة بوصفه إشارة رمزية إلى التاريخ الطويل لاستخدام المجوهرات كوسائل للتجسس.
على المستوى الاستراتيجي، شددت مترويلي على أن دور إم آي6 لن يقتصر على فهم الخصوم وجمع المعلومات عنهم، بل سيمتد إلى مواجهتهم بصورة أكثر فاعلية ونشاطًا.
وأعلنت عزمها تعزيز قدرات الجهاز و«زيادة تأثيره بجرأة»، مستلهمة تجربة إدارة العمليات الخاصة التي أسسها ونستون تشرشل خلال الحرب العالمية الثانية بهدف «إشعال أوروبا» عبر دعم حركات المقاومة وتنفيذ عمليات تخريب خلف خطوط العدو.
ويمثل هذا التوجه قطيعة واضحة مع النهج الذي ساد خلال السنوات الأخيرة، حين ركز الجهاز على جمع معلومات استخباراتية عالية القيمة لتزويد صناع القرار بها، مع تقليص الانخراط في العمليات السرية المباشرة.
ورغم ما حققه هذا النهج من نجاحات في بعض الملفات، فقد أثار انتقادات داخلية، لا سيما في ظل تراجع الخبرة المتعمقة في شؤون خصوم رئيسيين مثل الصين وروسيا، وهو ما حذر منه علنًا مسؤولون استخباراتيون سابقون.
كما طالت الانتقادات التركيز المتزايد للجهاز على تحسين صورته العامة، ووتيرة رفع السرية عن معلومات ذات طابع سياسي، رغم أن هذا الأسلوب أسهم في استعادة قدر من الثقة التي تآكلت عقب حرب العراق.
إلا أن منتقدين يرون أن هذا الحذر المفرط استنزف موارد كان يمكن توجيهها نحو عمليات أقل حساسية وأكثر تأثيرًا، خصوصًا في ظل انتشار الفساد داخل روسيا، وفق قولهم، وسهولة الوصول إلى قواعد بيانات دون الحاجة إلى اختراقات استخباراتية معقدة.
وتشمل السيناريوهات المطروحة ضمن ما يُعرف بعمليات «المنطقة الرمادية» تسريب معلومات محرجة عن النخبة المقربة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أو زعزعة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي بوسائل غير مباشرة، على غرار الأساليب التي استخدمتها بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية.
غير أن اللجوء إلى مثل هذه العمليات يتطلب غطاءً سياسيًا صلبًا، إذ يظل السؤال الجوهري قائمًا: من يتحمل المسؤولية في حال الفشل، أو في حال النجاح الذي قد يستفز ردًا روسيًا عنيفًا؟
حتى الآن، تحظى مترويلي بدعم سياسي واضح، وقد تجاوزت في بداية ولايتها جدلًا أُثير حول ماضي أحد أجدادها خلال الحرب العالمية الثانية. وهي تعمل ضمن جهاز يتمتع برقابة برلمانية محدودة، ما يمنح قيادته هامشًا واسعًا من الاستقلالية في اتخاذ القرار.
وفي بلد يعاني من تراجع قدراته العسكرية وتباطؤ اقتصاده، تظل الاستخبارات البريطانية واحدة من المؤسسات القليلة التي لا تزال تتمتع بسمعة دولية راسخة.