القصة الكاملة لتهريب أكبر كنز استخباراتي من قلب الـ«كي جي بي»
في يومٍ بارد من نوفمبر 1992، وقفت حافلة صغيرة عند أرصفة ميناء كلايبيدا الليتواني، محمّلة بمجموعة سياحية غريبة: ضابطا مخابرات بريطانيان، وامرأة مسنة، وشاب على كرسي متحرك، ورجل هادئ في السبعين من عمره.
لكن هذه الرحلة، بحسب صحيفة نيويورك بوست، لم تكن رحلة علاجية كما اعتقد الشاب فلاديمير، بل كانت عملية انشقاق مُحكمة ينقل خلالها والده، فاسيلي ميتروخين، أمين الأرشيف السابق في جهاز المخابرات السوفياتية "كي جي بي"، كنزًا دفينًا من الأسرار التي خطّطها بيده على مدى 12 عامًا.
من الريف الروسي إلى أقبية لوبيانكا
وُلد فاسيلي ميتروخين عام 1922 في الريف الروسي، والتحق بجهاز المخابرات السوفياتية بعد الحرب العالمية الثانية.
وبعد مسيرة مهنية قصيرة شملت العمل كمدعٍ عام في أوكرانيا خلال حملات القمع الستالينية، والفشل في مهام خارجية، نُقل عام 1956 إلى الأرشيف في مقر الـ"كي جي بي" بلوبيانكا – نقلة اعتُبرت آنذاك نهاية مهنية.

لكن عام 1972 شكّل نقطة التحوّل، عندما كُلّف ميتروخين بالإشراف على نقل آلاف الملفات السرية إلى المقر الجديد في ياسينيفو. وهناك، اطّلع على النطاق الهائل لعمليات الجهاز: شبكات تجسس نووي، وخلايا نائمة في الغرب، وملفات قمع المعارضين، واختراق المؤسسات الدينية. ما رآه دفعه لوصفه لاحقًا بـ"الشر الخالص".
التمرد الصامت: 12 عامًا من التدوين السري
بدءًا من تلك اللحظة، بدأ ميتروخين تمرده الفردي. وعلى مدى 12 عامًا، كان يدوّن ملاحظات سرية يوميًا، يعيد ترتيبها، ثم ينسخها في منزله الريفي على آلة كاتبة محمولة، مستخدمًا حبرًا منزلي الصنع.
كانت الصفحات تُخبأ داخل أوعية معدنية تُدفن تحت أرضية منزله، دون علم أحد، حتى زوجته نينا، الطبيبة الناجحة.
ظلّ الأرشيف السري ينمو، إلى أن مهّد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 الطريق للخطوة التالية. وفي مارس/آذار 1992، دخل ميتروخين السفارة البريطانية في فيلنيوس حاملاً حقيبة متسخة مليئة بالعيّنات من كنزه السري.
الهروب المثير: رحلة بحرية ومفاجأة عائلية
بعد تقييم أولي للوثائق، نظّمت الاستخبارات البريطانية عملية هروب محكمة تحت غطاء رحلة علاجية. لكن عند وصول العائلة إلى الميناء، انكشفت الحقيقة لفلاديمير الابن، الذي واجه والده بالقول: "أنت جاسوس... خائن". تحت ضغط الوقت والخوف من المراقبة السوفياتية، نُقل الشاب رغمًا عنه إلى السفينة، بينما صعد الأب بهدوء، مغلقًا بابًا وراءه إلى الأبد.
بعد رحلة بحرية مضطربة دامت 33 ساعة، وصلوا إلى بريطانيا. ولاحقا وصف ما حمله ميتروخين من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بأنه "أكبر كنز استخباراتي مضاد في فترة ما بعد الحرب".

كشفت مذكرات ميتروخين عن مئات الجواسيس والعمليات، من شبكة كامبريدج التجسسية إلى التفاصيل الكاملة للتجسس النووي السوفياتي، ووجود عملاء نائمين في مراكز حساسة غربية.
كما سلّطت الضوء على الحملات القمعية الداخلية، وملفّات الاغتيالات، واختراقات المنظمات الدينية.
عاش ميتروخين سنواته الأخيرة في هدوء نسبي قرب لندن، محذرًا في مقابلات نادرة من أن الأجهزة الأمنية السوفياتية القديمة لم تختفِ، بل أعادت تشكيل نفسها في عهد جديد.
توفي ميتروخين عام 2004، لكن الأرشيف الذي حمله بقي شاهدًا استثنائيًا على عصر من التاريخ، وأصبح درسًا في كيف يمكن لرجل واحد، من داخل أقبية النظام، أن يفضح آلة بأكملها بصبرٍ وصمتٍ غير عاديين.
واليوم، تظل قصة ميتروخين إحدى أجرأ عمليات الانشقاق في التاريخ الاستخباراتي، تذكيرًا بأن أعظم الأسرار قد تحفظها ذاكرة إنسان واحد، وأن جدران الأنظمة الأكثر إحكامًا قد تتصدع من داخلها.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMjE0IA== جزيرة ام اند امز