«عقدة ساحل أفريقيا» لم تنفك.. «مثلث الموت» يختبر صبر النيجر
في خضم تصاعد موجة الإرهاب في غرب أفريقيا، تواجه النيجر اختبارا صعبا في واحد من أكثر مناطق الساحل هشاشة.
واعتبر خبراء في الشؤون الأمنية بأفريقيا في حديث للعين الإخبارية أن الهجوم الدموي الذي استهدف قرية "بوسيي" في غرب النيجر، وأسفر عن مقتل 31 مدنيا، يعكس استمرار التهديد الإرهابي في "منطقة الموت"، حسبما اصطُلح على تسميتها، نظرا لخطورتها.
يؤكد الهجوم، في رأي الخبراء، تعقيد المواجهة الأمنية التي تخوضها السلطات النيجرية في ظل بيئة إقليمية مضطربة وتداخل نشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود.
وشهدت قرية بوسيي، التابعة لبلدية غوروال في إقليم تيلابيري غرب البلاد، الثلاثاء، هجوما نفذه مسلحون يُشتبه بانتمائهم إلى جماعات إرهابية تنشط في منطقة المثلث الحدودي بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، بحسب إذاعة "إر.إف.إي" الفرنسية.
وأفادت مصادر محلية بأن 30 مدنيا قتلوا على الفور، قبل أن يفارق مصاب الحياة لاحقا داخل مركز صحي، فيما لا يزال أربعة جرحى في حالة حرجة.
بؤرة عنف مزمنة
وتقع تيلابيري ضمن ما يعرف بمنطقة الحدود الثلاثية، وهي مسرح رئيسي لنشاط جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة عبر جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، وأخرى موالية لتنظيم "داعش" الإرهابي.
ومنذ قرابة عشر سنوات، تشهد هذه المنطقة هجمات متكررة تستهدف المدنيين والقوات العسكرية على حد سواء، مستفيدة من وعورة التضاريس وضعف حضور الدولة وتداخل الحدود.
ووفق معطيات محلية، فإن الهجوم الأخير يأتي بعد أشهر من سلسلة هجمات دامية، من بينها مقتل رئيس بلدية غوروال في كمين وصف حينها بـ"الإرهابي" في سبتمبر/أيلول 2025، ما عزز الشعور بانعدام الأمن لدى السكان المحليين.
أرقام مقلقة
وتشير بيانات منظمة منظمة "أكليد" غير الحكومية المتخصصة في إحصاء ضحايا النزاعات حول العالم، إلى أن إقليم تيلابيري أصبح في عام 2025 "المنطقة الأكثر دموية في الساحل الأوسط"، مع تسجيل أكثر من 1200 وفاة، متجاوزا مناطق عديدة في مالي وبوركينا فاسو. وتؤكد المنظمة أن المدنيين كانوا الفئة الأكثر استهدافا خلال العام الماضي، مع تحميل الجزء الأكبر من المسؤولية للجماعات المرتبطة بتنظيم "داعش" الإرهابي.
المسار العسكري
وقالت الباحثة البوركينابية نياغالي باغايوكو، المتخصصة في قضايا الأمن وإصلاح القطاع العسكري في الساحل لـ"العين الإخبارية"، إن "الهجوم يعكس استراتيجية الجماعات الإرهابية القائمة على ضرب المجتمعات المحلية لزعزعة الثقة في الدولة".
وأضافت باغايوكو أن "السلطات العسكرية في النيجر ورثت وضعا أمنيا شديد التعقيد، وهي تحاول إعادة بناء قدرات الدولة السيادية بعد سنوات من الاعتماد على مقاربات خارجية لم تثبت فعاليتها".
وأكدت باغايوكو أن هذه الجماعات تعتمد بشكل متزايد على استهداف القرى النائية والمجتمعات الريفية لفرض مناخ من الرعب، مستفيدة من محدودية الإمكانيات الأمنية وصعوبة الانتشار السريع في المناطق الحدودية.
واعتبرت أن "الرسالة الأساسية من مثل هذه الهجمات هي إظهار عجز الدولة، ودفع السكان إما إلى النزوح أو إلى الخضوع لسلطة الأمر الواقع التي تحاول الجماعات المسلحة فرضها".
وشددت الباحثة البوركينابية على أن دعم المسار الذي تقوده السلطات العسكرية في النيجر يجب أن يقترن باستراتيجية شاملة لا تقتصر على البعد العسكري فقط، بل تشمل تعزيز حضور الدولة عبر الخدمات الأساسية والتنمية المحلية وإعادة الثقة بين السكان والمؤسسات.
وأشارت إلى أن "نجاح النيجر في مواجهة الإرهاب في المدى المتوسط سيعتمد على قدرتها على الجمع بين الحزم الأمني والمعالجة العميقة للأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي التطرف في منطقة الساحل".
سياق إقليمي
من جهته، يعتبر الباحث المالي بابا داكونو، مدير مركز الدراسات السياسية في مالي لـ"العين الإخبارية"، أن "ما يحدث في غرب النيجر لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي العام".
وأكد أن الأنظمة العسكرية في دول الساحل، ومنها النيجر، تحاول فرض مقاربة أمنية أكثر صرامة تقوم على استعادة السيطرة الوطنية، وهو مسار يلقى دعما شعبيا رغم كلفته الأمنية المرتفعة في المدى القصير".
تحديات المواجهة
ورأى داكونو أن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لا يكفي لإنهاء التهديد الإرهابي، في ظل استمرار عوامل بنيوية مثل الفقر، وغياب الخدمات، وضعف التنمية المحلية.
وقال إن طول الحدود وتداخل المجتمعات العرقية بين الدول الثلاث يمنح الجماعات المسلحة هامشا واسعا للمناورة والانسحاب وإعادة التنظيم.
واعتبر أن تعزيز دور القوات الوطنية، إلى جانب التعاون الإقليمي ضمن أطر أفريقية، يبقى الخيار الأكثر واقعية في مواجهة التنظيمات المتطرفة، خاصة بعد تراجع الشراكات الأمنية السابقة مع القوى الغربية.
مستقبل أمن الساحل
الهجوم على بوسيي يسلط الضوء مجددا على صعوبة تحقيق الاستقرار السريع في منطقة الساحل، لكنه في الوقت ذاته يعكس حجم الرهان الملقى على عاتق السلطات النيجرية الجديدة، وفقا للخبراء.
وبينما تستمر العمليات العسكرية لمحاولة صد هجمات الجماعات المرتبطة بالقاعدة وداعش، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في صراع مفتوح، مرشح للاستمرار ما لم تُستكمل المقاربة الأمنية بحلول سياسية وتنموية طويلة الأمد تعالج جذور العنف في المنطقة.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز