أمريكا وتصنيف إخوان السودان «إرهابية».. ضربة للتنظيم وعزلة لبورتسودان (خبراء)
في خطوة تعكس تحولًا لافتًا في مقاربة واشنطن للأزمة السودانية، جاء قرار الخارجية الأمريكية بتصنيف «الإخوان المسلمين» في السودان منظمة إرهابية بمثابة ضربة للجماعة ولآمالها، باعتباره يضيف حلقة جديدة من الضغوط الدولية على المشهد المعقد في البلد الأفريقي.
فالقرار لا يقتصر على كونه إجراءً قانونيًا في إطار مكافحة الإرهاب، بل يحمل رسائل سياسية واضحة تعيد رسم حدود المقبول دوليًا في معادلة السلطة السودانية، وتضع حكومة بورتسودان التي يسيطر عليها تنظيم الإخوان المسلمين أمام اختبار عزلة غير مسبوق.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تشكل صفعة لتنظيم الإخوان الذي ظل لاعبًا مؤثرًا في بنية الدولة منذ عقود، كما قد تفتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين القوى الداخلية، بما يضغط نحو مسار سياسي لإنهاء الحرب.
غير أن تأثير القرار سيظل مرهونًا بمدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل العزلة المتزايدة إلى رافعة حقيقية للتسوية، في وقت تبدو فيه الحكومة السودانية محاصرة بين ضغوط الخارج وتعقيدات الداخل.
وصنفت وزارة الخارجية الأمريكية الإثنين جماعة الإخوان بالسودان منظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص.
وقالت وكالة رويترز إن الجماعة التي سبق إدراج فروع لها كمنظمات إرهابية على اللائحة الأمريكية سيجري تصنيفها كمنظمة إرهابية أجنبية اعتبارا من 16 مارس/آذار.
وقال وزير الخارجية ماركو روبيو في بيان: "تعكس هذه الإجراءات الخطوات الأولى لجهود متواصلة ومستدامة لإحباط أعمال العنف وزعزعة الاستقرار التي تقوم بها فروع جماعة الإخوان المسلمين أينما وُجدت. ستستخدم الولايات المتحدة جميع الأدوات المتاحة لحرمان هذه الفروع من الموارد اللازمة للانخراط في الإرهاب أو دعمه".
يعد القرار صفعة لحكومة بورتسودان التي باتت تسيطر عليها جماعة الإخوان، ما عرقل جهود إقليمية ودولية للتوصل إلى حل سياسي للحرب الدائرة في السودان.
فكيف سيؤثر القرار على التطورات في السودان؟
يقول المحلل السياسي السوداني سيبويه يوسف، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن قرار تصنيف «الإخوان المسلمين» كجماعة إرهابية عالمية، سيؤدي إلى خفض وتيرة هذه الحرب، لما له من تأثير كبير على عزلة هذه الجماعة.
وأوضح المحلل السياسي السوداني، أن وضع الإخوان على قوائم الإرهاب، سيزيد من العزلة الاجتماعية لهذه الجماعة، مما يعمق من عزلتها الدولية، بشكل سينعكس إيجابيًا على الحرب في السودان، كون هذه «المنظمة الإرهابية تسيطر على مقاليد السلطة ومقاليد الاقتصاد ومقاليد الحياة الاجتماعية».
واعتبر المحلل السياسي، أن القرار بمثابة «ضربة قاضية لتنظيم الإخوان»، مشيرًا إلى أنه عندما «تغلق كل مصادر تمويلهم، سلاحاً أو مالاً، فتتقلص مساحات النفوذ».
وتوقع نهوض القوى الوطنية السودانية لمجابهة ما تبقى من فلول الإخوان، سواء كان في الميدان العسكري، أو في المجالات الاقتصادية وغيرها.
وبحسب المحلل السوداني فإن «القرار سوف يحجّم كثيراً من حركة قياداتهم، سواء كان في الخارج»، مشيرًا إلى أن أموال قيادات ذلك التنظيم «مرصودة لدى المؤسسات الدولية، وحتى لدى القوى السياسية في السودان»، مما قد يساهم في «تجريدهم من مشروعية البقاء وإعادتهم إلى ما أراده لهم الشعب السوداني خارج مدار التاريخ.»
في السياق نفسه، قال الدكتور محمد اليمني الخبير في العلاقات الدولية، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن القرار الأمريكي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمون في السودان كجماعة إرهابية أجنبية يمثل تحولًا مهمًا في مقاربة الولايات المتحدة للأزمة السودانية المتفاقمة منذ اندلاع الحرب الداخلية في أبريل/نيسان 2023.
فالتصنيف – المتوقع دخوله حيز التنفيذ في منتصف مارس/آذار – لا يحمل فقط أبعادًا قانونية وأمنية، بل يعكس أيضًا تحولًا سياسيًا في طريقة تعامل واشنطن مع موازين القوى داخل السودان، ويطرح تساؤلات عميقة حول إمكانية مساهمة هذا القرار في تسريع الحل السياسي، يضيف الخبير في العلاقات الدولية.
بدوره، اعتبر منير أديب الخبير في شؤون الإخوان والجماعات المتطرفة، أن القرار سينهي الأزمة والحرب والفوضى في الداخل السوداني، بل سوف ينعكس على أمن العالم ومنطقة الشرق الأوسط.
سر التوقيت
ورغم أن سيبويه يوسف اعتبر القرار «تأخر كثيراً»، إلا أنه قال إنه يؤكد بأن المجتمع الدولي والعالمي يضع قضية الشعب السوداني في مرحلة أولويات؛ باعتبار أن تصنيف الإخوان المسلمين في هذه المرحلة يبعدهم تماماً عن الواقع السياسي السوداني والواقع المجتمعي.
وأعرب عن آماله في ضرورة أن تعمل المنظمات الدولية على تجريد هذه المجموعات من أسلحتها التي يحاربون بها الآن الشعب السوداني، وتجريدهم من ثروات الشعب السوداني المنهوبة التي يديرونها في عواصم معروفة.
وبحسب الدكتور محمد اليمني الخبير في العلاقات الدولية، فإن توقيت التصنيف يعكس في الواقع رسالة سياسية واضحة، فالإدارة الأمريكية تدرك أن الحركة الإسلامية المرتبطة تاريخيًا بجماعة الإخوان كانت تشكل جزءًا مهمًا من البنية السياسية لنظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير، الذي حكم البلاد لعقود قبل أن يسقط خلال الثورة السودانية 2019.
وعلى الرغم من التغييرات السياسية التي أعقبت سقوط النظام، فإن نفوذ بعض الشبكات المرتبطة بالحركة الإسلامية ظل حاضرًا داخل مؤسسات الدولة، وخاصة في بعض القطاعات الأمنية والعسكرية، يقول اليمني، مشيرًا إلى أنه «يمكن فهم القرار الأمريكي باعتباره محاولة لقطع الطريق أمام أي عودة محتملة لتلك التيارات إلى مركز القرار السياسي في السودان».
ليس هذا فحسب، بل إن «القرار يحمل رسالة ضغط مباشرة على النخبة السياسية والعسكرية في الخرطوم مفادها أن أي ترتيبات سياسية مستقبلية لن تكون مقبولة دوليًا إذا تضمنت عودة قوية للقوى المرتبطة بالحركة الإسلامية»، يقول الخبير في العلاقات الدولية.
بدوره، اعتبر منير أديب الخبير في شؤون الإخوان والجماعات المتطرفة، القرار الأمريكي صائبا رغم تأخره، مشيرًا إلى أن تنظيم الإخوان في السودان، كان بمثابة الرصاصة الأولى في هذه الحرب.
وأوضح أديب، أن الإخوان في السودان أو الحركة الإسلامية في السودان كانوا وقود هذه الحرب، ربما منذ اندلاعها في العام 2023 قبل أكثر من ثلاث سنوات.
وأشار إلى أن انتباه الولايات المتحدة الأمريكية لوضع الإخوان على قوائم الإرهاب في السودان يضع عبئاً متزايداً على كاهل الولايات المتحدة بوضع التنظيم على قوائم الإرهاب في كل دول العالم بما فيها واشنطن، حتى ينتهي إرهاب وفوضى الإخوان.
انعكاسات القرار على حكومة بورتسودان
يقول المحلل السياسي السوداني سيبويه يوسف، إن «هذا القرار سيساهم في عزل حكومة الأمر الواقع في بورتسودان؛ لأن هذه حكومة تعتمد على الإسلاميين كحاضنة سياسية وكرافعة اقتصادية، من خلال الاستفادة من أموالهم التي تم تجميدها بالخارج والتي تمول الجيش بشكل مباشر».
وأشار إلى أن هذا القرار سيجعل من حكومة بورتسودان بلا فعالية، مما سيصعد الغضب الشعبي ضدها، مؤكدًا أنها ستكون «عاجزة عن فعل أي شيء، بل مطاردة، ومطاردة قياداتها في الخارج، أو سواء كان في الداخل بعد أن ينتفض الشعب عليهم».
وطالب المحلل السياسي السوداني سيبويه يوسف، بضرورة أن «يكون هنالك توافق سوداني على عزل اجتماعي لعناصر هذه الحركة»، مما سيجفف منابع الحرب، ما دام هنالك إرادة دولية لمحاكمة ومطاردة ومتابعة هذه الجماعة الإرهابية».
تداعيات محتملة
وفي السياق نفسه، قال الدكتور محمد اليمني الخبير في العلاقات الدولية، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن أحد أبرز التداعيات المحتملة للقرار يتمثل في تعميق العزلة الدولية التي تعاني منها الحكومة السودانية حاليًا. فتصنيف جماعة سياسية ذات امتدادات داخلية كمنظمة إرهابية قد يؤدي إلى:
تشديد القيود المالية الدولية
حيث قد تخضع أي مؤسسات أو أفراد يُشتبه بارتباطهم بالحركة الإسلامية لرقابة مالية صارمة، ما قد يؤثر في قدرة الحكومة على الوصول إلى النظام المالي العالمي.
تعقيد العلاقات الدبلوماسية
إذ قد تتردد بعض الدول الغربية في التعامل مع حكومة يُعتقد أن داخلها تيارات مصنفة إرهابية أو قريبة منها.
زيادة الضغوط الدولية
فالتصنيف يمكن أن يستخدم كأداة ضغط لدفع القيادة السودانية إلى القبول بتنازلات سياسية ضمن أي عملية تفاوضية قادمة.
لكن في المقابل، قد تسعى الحكومة السودانية إلى تعويض هذا الضغط عبر تعزيز علاقاتها مع قوى دولية لا تتبنى الموقف الأمريكي نفسه، ما قد يعيد رسم خريطة التحالفات الخارجية للسودان.
هل يدفع نحو تسوية سياسية؟
يقول اليمني، إن الضغط الدولي المتزايد سيؤدي إلى تقليص هامش المناورة أمام القوى السياسية والعسكرية المرتبطة بالحركة الإسلامية، وهو ما قد يخلق فرصة لإعادة إطلاق عملية سياسية جديدة.
كما قد يدفع القرار بعض الفاعلين داخل المؤسسة العسكرية إلى إعادة حساباتهم السياسية، خاصة إذا شعروا بأن استمرار الارتباط بالحركة الإسلامية قد يؤدي إلى عزلة دولية أوسع، بحسب الخبير في العلاقات الدولية محمد اليمني.
لكن هذا السيناريو ليس مضمونًا. فالتجارب السابقة تشير إلى أن عزل التيارات السياسية بشكل كامل قد يؤدي في بعض الأحيان إلى نتائج عكسية، إذ قد يدفعها إلى العمل خارج الأطر السياسية الرسمية، ما يزيد من احتمالات التصعيد وعدم الاستقرار.
3 سيناريوهات
وبحسب الخبير في العلاقات الدولية محمد اليمني، فإنه يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتأثير القرار الأمريكي:
السيناريو الأول: الضغط نحو تسوية سياسية
وفيه يؤدي القرار إلى زيادة الضغوط الدولية على جميع الأطراف، ما يدفعهم إلى القبول بتسوية سياسية تشمل ترتيبات انتقالية جديدة.
السيناريو الثاني: تعميق العزلة والتصلب السياسي
حيث قد تتجه الحكومة السودانية إلى مزيد من التشدد في مواقفها، مع البحث عن تحالفات دولية بديلة لمواجهة الضغوط الغربية.
السيناريو الثالث: إعادة تشكيل المشهد السياسي
وفيه قد تعيد القوى الإسلامية تنظيم نفسها تحت أطر سياسية جديدة لتفادي العقوبات الدولية، ما يفتح الباب أمام إعادة ترتيب التوازنات الداخلية.