يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يطبق عمليًا مقولة المفكر العسكري البروسي الألماني كارل فون كلاوزفيتز- Carl von Clausewitz الشهيرة بأن «الحرب امتدادٌ للسياسة بوسائل أخرى».
الحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بحجم الدمار أو عدد الضربات العسكرية، بل بقدرتها على تحقيق أهداف سياسية وإعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ.
ولعل هذا ما يحاول أيضًا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تطبيقه في حربه مع أوكرانيا؛ إذ يسعى إلى تحقيق نصر سياسي واستراتيجي باستخدام القوة العسكرية المباشرة، ويمنع في الوقت ذاته تحوّل جواره الجغرافي إلى مصدر دائم للفوضى والتهديد.
ليست المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد سلسلة من الأحداث العسكرية المتفرقة التي استهدفت تقويض وتدمير قدرات إيران العسكرية والقضاء على الصفوف الأولى من قادة النظام الإيراني، كما أنها ليست مجرد توترات أمنية عابرة في الشرق الأوسط. بل تمثل، في جوهرها، تعبيرًا عن صراع سياسي طويل الأمد، تُستخدم فيه أدوات القوة العسكرية والاقتصادية والجغرافيا الاستراتيجية لإعادة تشكيل ميزان النفوذ في الخليج والشرق الأوسط.
في هذا النوع من الصراعات، تتقدم السياسة أحيانًا خطوة إلى الأمام، ثم ترتدي ثوبًا أكثر خشونة وتدخل المشهد عبر بوابة القوة العسكرية. وعند هذه اللحظة تحديدًا، يصبح من الصعب الفصل بين السياسي والعسكري، لأن كليهما يتحول إلى وجهين لعملية واحدة: إدارة الصراع والتحكم في نتائجه المراد تحقيقها.
وفي قلب هذا المشهد، يقف مضيق هرمز ليس بوصفه ممرًا ملاحيًا فحسب، بل باعتباره عقدة استراتيجية تختصر العلاقة المعقدة بين السياسة والحرب والاقتصاد في آن واحد.
حين تتحول السياسة إلى حركة في الميدان
قدّم المفكر العسكري البروسي الألماني كارل فون كلاوزفيتز- Carl von Clausewitz فكرة أن "الحرب ماهي إلا امتداد للسياسة بوسائل أخرى"، والتي لا تزال حتى اليوم مفتاح فهم الحروب الحديثة، ولم تكن هذه العبارة مجرد توصيف عسكري للحروب، بل إطارًا فكريًا لفهم طبيعة الصراع بين الدول.
فالحرب، وفق هذا التصور، ليست قرارًا منفصلًا عن السياسة، وإنما امتداد طبيعي لها عندما تصل أدوات التفاوض والضغط الدبلوماسي والقانوني والاقتصادي إلى حدودها القصوى. عندها تتحول أدوات الإقناع إلى أدوات إكراه، وتنتقل الدولة من إدارة الخلاف إلى فرض الإرادة بالقوة.
وفي الحالة الإيرانية، لا يبدو الهدف هو إسقاط الدولة الإيرانية بقدر ما هو إعادة تشكيل سلوكها السياسي وحدود نفوذها الإقليمي ضمن توازنات جديدة في الشرق الأوسط. ويتمثل الهدف الاستراتيجي الأبرز في إنهاء النفوذ الأيديولوجي والمذهبي الإيراني، ومنع طهران من امتلاك تكنولوجيا نووية ذات طابع عسكري، مع دفعها نحو نموذج الدولة القومية التقليدية ذات الشرعية بدل نموذج النفوذ العابر للحدود الخارج عن مبادئ العلاقات الدولية.
وفي سياق الحرب والحصار الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، ومحاولات فرض شروط سياسية وأمنية على النظام الإيراني، لا يبقى مضيق هرمز مجرد ممر لعبور النفط، بل يتحول إلى مساحة وساحة اختبار مستمرة لمعادلات القوة وإعادة التوازنات وضبط التفاعلات الإقليمية والدولية.فالمضيق يُعتبر عمقًا استراتيجيًا للردع، وورقة ضغط جيوسياسية، ومجالًا لإعادة تعريف النفوذ في الخليج والشرق الأوسط.
وفي المقابل على المستوى الدولي والعالمي، يمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، ونقطة اختناق استراتيجية لا يمكن السماح باحتكارها أو تهديد أمنها بصورة دائمة. وهكذا يتحول الممر الجغرافي إلى لغة سياسية بحد ذاته، تُستخدم فيه التهديدات أحيانًا، وتلوّح حوله وتنفذ فيه أدوات القوة العسكرية المباشرة أحيانًا أخرى.
إن نجاح الحروب الحديثة لا يُقاس فقط بحجم التدمير العسكري، بل بقدرة القوة على تحقيق نصر سياسي واستراتيجي. فالضربات العسكرية المحدودة، والتحركات البحرية، وأدوات الضغط الاقتصادي، لا تهدف بالضرورة إلى الحسم العسكري الكامل، بقدر ما تستهدف ضبط السلوك الإيراني، وإعادة رسم خطوط الردع في الشرق الأوسط، ومنع تحوّل المنطقة إلى فضاء مفتوح للفوضى والدول الهشة.
ومن هنا، تتقدم السياسة الأمريكية خطوتين نحو الميدان العسكري وترجع خطوة للتفاوض السياسي، حيث لا تبقى السياسة مجرد قرارات تُصاغ في مكاتب الدبلوماسية أو في مراكز التفكير الاستراتيجي، بل تتحول إلى حركة عملية على الأرض تتجسد في:
عمليات عسكرية محسوبة.
عقوبات اقتصادية مركبة وقاسية.
ضغوط دبلوماسية متعددة الأطراف.
وإدارة دقيقة لمستويات التصعيد.
وفرض الشروط في المفاوضات السياسية والأمنية.
فالعمليات العسكرية والتلويح بالمزيد منها مستمرة دون مغادرة الهدف السياسي المتمثل في إعادة تشكيل ميزان القوة في الشرق الأوسط، وتثبيت مبدأ سيادة الدول، ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة قد تقود إلى فوضى داخل إيران يصعب التحكم في نتائجها.
العلاقة بين السياسة والحرب
في جوهر هذا الفهم، يبرز ما أشار إليه Carl von Clausewitz بوضوح: الحرب لا يمكن فصلها عن السياسة، بل هي استمرار لها عندما تتغير الأدوات فقط. لكن الأهم من الحرب نفسها هو ما تنتجه سياسيًا؛ فلا معنى لأي تفوق عسكري إذا لم يتحول إلى مكسب سياسي واضح وقابل للاستدامة.
وعليه، تتضح مفارقة الحروب الحديثة؛ فقد تمتلك دولة ما تفوقًا عسكريًا ساحقًا، لكنها تعجز عن ترجمة هذا التفوق إلى نتائج سياسية مستقرة. ولعل التاريخ الحديث يقدم أمثلة واضحة على ذلك. ففي الحرب الفيتنامية، امتلكت الولايات المتحدة تفوقًا عسكريًا هائلًا وساحقًا، لكن الهدف السياسي لم يتحقق، وتحولت الحرب تدريجيًا إلى عبء داخلي استنزف المجتمع الأمريكي سياسيًا وقانونيًا ونفسيًا. وكذلك الحال في التدخل السوفيتي بأفغانستان، حين دخل الاتحاد السوفيتي الحرب بقدرات عسكرية ضخمة، إلا أن الكلفة السياسية والاقتصادية والمعنوية تجاوزت حدود الاحتمال، لينهار الهدف الاستراتيجي والسياسي تدريجيًا تحت وطأة الاستنزاف الطويل.
فالحرب أيضًا لا تُفهم خارج سياقها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والقانوني، لأن:
الاقتصاد يحدد القدرة على الاستمرار.
الرأي العام ومؤسسات الدولة تحدد الشرعية السياسية.
التحالفات تحدد هامش الحركة الاستراتيجية.
المعنويات تحدد القدرة على الصمود.
الهوية الوطنية والمبادئ والقيم تحدد حدود التضحية.
لذا، لا يمكن النظر إلى الحروب باعتبارها مجرد مواجهة بين جيوش وقدراتهم العسكرية، بل باعتبارها صراع إرادات سياسية تفرض بطرق عدة من الدبلوماسية والمقايضات والضغوطات الاقتصادية والقانونية حتى استخدام القوة الصلبة والمدمرة.
الاقتصاد كقيد غير مرئي
في خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على نظام إيران، نجد بأن الاقتصاد العالمي يقف بوصفه قوة تعمل على ضبط إيقاع الصراع العسكري والسياسي. فمضيق هرمز لا يؤثر فقط في الحسابات العسكرية، بل يمتد تأثيره إلى:
تدفقات وأسعار الطاقة والسلع.
استقرار الأسواق العالمية.
وتوازن الاقتصاد العالمي بأكمله.
وهذا ما يجعل أي تصعيد عسكري واسع قرارًا محاطًا بقيود، لا تقل تأثيرًا عن القيود العسكرية نفسها.
الخاتمة:
عندما ترتدي السياسة البِزّة العسكرية، فإنها لا تتحول إلى قوة مطلقة بقدر ما تدخل في معادلة دقيقة بين الردع والقدرة على إعادة تشكيل ميزان القوة والسلوك السياسي والأمني. وهنا تحديدًا يصبح جوهر الصراع ليس في امتلاك القدرة التدميرية فقط، بل في القدرة على ضبط هذه القوة وتوجيهها وتحديد درجات ومستويات استخداماتها لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية قابلة للاستمرار.
وفي الحالة الإيرانية، تبدو الأهداف المعلنة وغير المعلنة مرتبطة بإنهاء النفوذ الإقليمي لملالي طهران، والحد من أذرعه العسكرية والسياسية في المنطقة، ومنع امتلاكها قدرات نووية عسكرية، مع إعادة صياغة التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط بصورة تعزز مفهوم الدولة الوطنية وتحد من تحوّل بعض الدول إلى كيانات هشة أو فاشلة تتعدد فيها مراكز القوة وتضعف فيها سلطة الدولة الشرعية.
وفي النهاية، كما في البداية، يبدو أن ترامب وبوتين يطبقان، كلٌ بطريقته، رؤية كارل فون كلاوزفيتز القائلة "إن الحرب امتدادٌ للسياسة بوسائل أخرى"، وأن النصر في الحروب الحديثة لا يُقاس بحجم التدمير، بل بقدرة القوة العسكرية على تحقيق أهداف سياسية دون الانزلاق إلى فوضى شاملة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة