تعيش المجتمعات اليوم واحدة من أكثر المراحل تأثيراً في تاريخ الإعلام الرقمي بعدما تحولت منصات التواصل الاجتماعي من أدوات للتواصل والمعرفة وتبادل الخبرات إلى فضاءات مفتوحة للتنافس.
تنافس لا يقيم وزنا إلا إلى جذب الانتباه بأي وسيلة ممكنة، حتى ولو كان ذلك على حساب القيم والثقافة والوعي المجتمعي.
لقد بات جزء كبير من المحتوى الرائج قائماً على تسويق المأكولات والمشروبات بصورة مبالغ فيها، واستعراض الحياة الاستهلاكية، ونشر مشاهد الرقص والإسفاف الأخلاقي، وصناعة الجدل الرخيص الذي يحقق ملايين المشاهدات خلال ساعات قليلة.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود محتوى ترفيهي بحد ذاته، فكل المجتمعات تحتاج إلى الترفيه والفنون والمساحات الخفيفة، لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول التفاهة إلى "ثقافة عامة"، ويصبح المحتوى السطحي هو النموذج الأكثر انتشاراً وتأثيراً، فيما يتم تهميش المحتوى العلمي والثقافي والتوعوي والفكري.
هنا تبدأ معايير النجاح بالتغيّر؛ فيُقاس التأثير بعدد المشاهدات، وتُصنع الشهرة من الإثارة، ويصبح بعض المؤثرين قدوة لجيل كامل رغم افتقارهم لأي مضمون معرفي أو أخلاقي حقيقي.
لقد صنعت الخوارزميات الرقمية بيئة إعلامية تقوم على "اقتصاد الانتباه"، أي أن القيمة الحقيقية لأي محتوى أصبحت مرتبطة بقدرته على جذب المشاهد والبقاء لأطول وقت ممكن أمام الشاشة، بغض النظر عن الفائدة أو الضرر. ولهذا السبب، تنتشر المقاطع المثيرة والصادمة والإسفافية بسرعة أكبر من انتشار المحتوى التعليمي والثقافي.
إن أخطر ما في "تسويق التفاهة" أنه لا يقف عند حدود الترفيه السطحي، بل يعيد تشكيل العقل الجمعي للأجيال الجديدة بصورة تدريجية. فالطفل أو المراهق الذي يقضي ساعات طويلة يومياً في متابعة محتوى فارغ ومبتذل، سيتأثر حتماً بطريقة التفكير وأنماط السلوك واللغة والصورة الذهنية عن النجاح والمجتمع. ومع مرور الوقت، يتحول النجاح في نظر البعض إلى مجرد عدد متابعين، أو مقطع راقص، أو إعلان استهلاكي، بينما تتراجع قيمة العلم والبحث والثقافة والعمل الحقيقي.
وفي العالم العربي، تتضاعف خطورة هذه الظاهرة بسبب غياب التوازن أحياناً بين الانفتاح الرقمي وبين بناء الوعي النقدي. فالكثير من المستخدمين، خاصة صغار السن، يتعاملون مع ما يشاهدونه باعتباره نموذجاً طبيعياً للحياة اليومية، دون امتلاك أدوات تحليل أو نقد أو تمييز بين المحتوى الهادف والمحتوى الموجّه فقط لتحقيق الأرباح والإعلانات.
لقد أصبح بعض صناع المحتوى يلهثون خلف “الترند” بأي وسيلة، حتى لو كان ذلك عبر الإساءة للذوق العام أو نشر سلوكيات غير لائقة أو الترويج لأنماط استهلاكية مبالغ فيها. والأسوأ من ذلك أن بعض الشركات التجارية بدأت تعتمد على هذا النوع من المحتوى في التسويق والإعلان، لأنها تعلم أن الجدل والإثارة يحققان الانتشار السريع والأرباح المرتفعة، وهو ما خلق سوقاً رقمية كاملة قائمة على استثمار التفاهة وتحويلها إلى صناعة مربحة.
إن مواجهة هذه الظاهرة تحتاج إلى رؤية شاملة لا تقوم على المنع فقط، بل على بناء بيئة رقمية أكثر توازناً ومسؤولية. فمعركة المجتمعات اليوم هي معركة وعي. والمحتوى الرقمي هو أداة لإعادة تشكيل القيم والسلوك وأنماط التفكير. والمجتمعات التي تسمح للتفاهة بأن تتصدر المشهد لفترات طويلة، ستواجه مستقبلاً تحديات أخلاقية وثقافية ومعرفية عميقة.
هذا سيسمح بإعادة الاعتبار للمحتوى الهادف، ودعم صناع المعرفة والثقافة والعلم، وإلى تحويل المنصات الرقمية من أدوات لاستهلاك الوقت وإنتاج الضجيج إلى مساحات حقيقية للتأثير الإيجابي وبناء الإنسان. فالتكنولوجيا بحد ذاتها ليست المشكلة، بل الطريقة التي نستخدمها بها، والنموذج الذي نسمح له بأن يقود الوعي العام في الفضاء الرقمي.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة