منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، انتهجت الجيوبوليتيكية الإيرانية مسارًا توسعيًا يقوم على توظيف الأدوات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية لاختراق عدد من الدول العربية، عبر بناء نفوذ مباشر وغير مباشر على حد سواء.
نفوذ يستند إلى توظيف المكونات الاجتماعية، وفي مقدمتها بعض الفئات الشيعية، بما يخدم مشروع التمدد الإقليمي لطهران.
وقد تطورت هذه المقاربة من مفهوم "تصدير الثورة" إلى منظومة أكثر تعقيدًا من النفوذ العابر للحدود، تجسدت في أذرع متعددة امتدت إلى لبنان والعراق واليمن وسوريا، حيث جرى توظيف البنية المذهبية والسياسية في خدمة هذا التمدد، في سياق يُطرح فيه المشروع الإيراني بوصفه حاملًا لرسالة دينية-سياسية تتجاوز حدود الدولة الوطنية.
وتتغذى هذه الجيوبوليتيكية على سرديات عقائدية وأيديولوجية، بما في ذلك قراءات تاريخية ولدت أوهاما كثيرة مثل "نظرية السفياني"، التي يتم توظيفها في سياقات تبريرية لمفهوم الصراع والتمدد، وهو ما يضيف بعدًا أيديولوجيًا إلى مشروع النفوذ الإقليمي.
وفي هذا الإطار، تشكّلت "أذرع الأخطبوط الإيراني" كأداة رئيسية في تنفيذ هذا التمدد، غير أن المعطيات الإقليمية والدولية الراهنة تشير إلى تحولات مهمة في مسار هذا النفوذ.
فنظام الملالي، الذي فقد سوريا بسقوط نظام بشار الأسد، ويواجه تراجعًا متصاعدًا في لبنان نتيجة المواجهات العسكرية الإسرائيلية ضد ذراع إيران حزب الله، فيما تتجه شرائح واسعة من الشعب اللبناني والقوى الوطنية والسياسية نحو الدولة الوطنية وتقليص نفوذ حزب الله، الذي يجد نفسه أمام إعادة تموضع إقليمي معقد.
وفي الوضع الإقليمي والدولي الراهن الذي أفرزته الحرب الأمريكية الإسرائيلية على ملالي إيران، فإن نظام الملالي ما زال يسعى إلى رفع سقف التفاوض عبر تصدير التهديد نحو دول مجلس التعاون الخليجي، سواء من خلال تهديد خطوط الملاحة والممرات البديلة عن مضيق هرمز، وعبر محاولة استهداف البنى التحتية الحيوية.
ولعل أخطر ما كشفته المرحلة الأخيرة تمثل في محاولة الهجوم على مفاعل براكة النووي السلمي الإماراتي، ومع التصدي الدفاعي الإماراتي العالي لهذا العدوان، فهي محاولة عكست طبيعة "الأخطبوط الملالي" الذي لم يعد يلوّح بأذرعه نحو الأهداف العسكرية والمدنية الحيوية فقط، بل بات يقترب من منشآت تمس أمن الطاقة وسلامة البيئة والمجتمع والاستقرار الإقليمي بأكمله.
فاستهداف منشأة نووية سلمية لا يمثل تهديدًا لدولة بعينها، بل يحمل أبعادًا تتجاوز الحدود السياسية إلى تهديد مباشر للبيئة والأمن الإنساني والاقتصادي في المنطقة. كما أن هذا السلوك يعكس حالة التشابك والارتباك التي يعيشها المشروع الإيراني، حيث تتحول أذرع الأخطبوط إلى أدوات خطرة قد ترتد آثارها على الإقليم بأسره.
علاوة على هذه الحادثة، فإن هناك محاولات متزايدة لتنفيذ عمليات إرهابية، ويؤكد ذلك ما كُشف عنه من القبض على متسللين من الحرس الثوري دخلوا الكويت، الأمر الذي يعكس استمرار استخدام الأذرع الأمنية والعقائدية ضد دول الجوار، مع محاولة توظيف من يوالي النظام الملالي عقائديًا ضد أوطانهم.
كذلك، ما زال العراق يمثل منصة عسكرية لمهاجمة دول الجوار، كما حدث في الهجوم على السعودية، نظرًا لحالة التبعية السياسية والعسكرية لإيران. ومن نافل القول إن هذا النظام لا ينفع معه أي إطار لاحترام السيادة بين الدول المجاورة، لأن ذلك ليس قائمًا في بنيته العقائدية وتحركاته الجيوبوليتيكية، وهو ما يجعله خارجًا عن معاهدة وستفاليا، التي وقعت عام 1648 وأسست لمبدأ سيادة الدول والقومية التي يقوم عليها النظام الدولي الحديث والمعاصر، ناهيك عن عدم إدراكه لأهمية وفرصة الوساطة الباكستانية.
فالأخطبوط يلوّح بأذرعه نحو تهديد أطر التنمية والأمن والبيئة والسلم الاجتماعي وتصدير الطاقة، في محاولة لخلق أزمات إقليمية في الطاقة والأمن بهدف رفع سقف التفاوض مع واشنطن، غير أن هذه المحاولات لن تحقق نتائج حاسمة في تغيير موازين التفاوض.
ومع ذلك، فإن واقع "أخطبوط الملالي" اليوم لا يعكس تمددًا إضافيًا، بل تآكلًا تدريجيًا في أذرعه، نتيجة تغيرات إقليمية متسارعة، وتراجع القدرة على إعادة إنتاج النفوذ بالقوة والزخم السابق. إذ باتت بعض هذه الأذرع في حالة استنزاف سياسي وأمني، مع تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية على النظام.
ففي الداخل الإيراني، تتصاعد التحديات المرتبطة بالشرعية السياسية للنظام، وبالجوانب الاقتصادية والاجتماعية وتوفير الخدمات، ومن الأهمية بمكان أن هذا الأخطبوط لطالما عكس تباينًا واضحًا وفاضحًا بين مستويات النخب المرتبطة بالنظام وبين شرائح واسعة من الشعب الفقير التي تعاني من ضغوط اقتصادية وتراجع في مؤشرات التنمية والحرية، مع تسويق شعارات ومقولات دينية لها، وهو ما يفتح نقاشًا متزايدًا حول أن هذا الأخطبوط يقوم على خطاب مزدوج بين السلطة والشعب، وبين شعارات محاربة إسرائيل والإمبريالية والتنمية وبيع صكوك الجنة للفقراء.
قطعًا، لا تبدو إيران اليوم في موقع قوة توسعية مطلقة، بقدر ما تواجه معادلة معقدة تجمع بين الضغط الخارجي والتحديات الداخلية، بما يجعل أذرع الأخطبوط التي شكلت أدوات نفوذها الإقليمي في حالة تآكل تدريجي، ينعكس على قدرتها في التأثير خارج حدودها.
وفي المحصلة، فإن هذا التآكل في أذرع الملالي وصل إلى مرحلة بات فيها كل تحرك وتطاول لأذرع الأخطبوط يرتد إليه وتضعف من قدرته على الاستمرار في حكم إيران، فحين يتقاطع الخطر مع امتدادات الطاقة وسلامة البيئة والبنى التحتية، سيمتد إلى احتمال حدوث موجات من اللاجئين الإيرانيين نحو تركيا وباكستان وأذربيجان والعراق وآسيا الوسطى، إذا لم يتعامل النظام الثيوقراطي مع إيران بوصفها دولة أرضًا وشعبًا أو يحدث انقلابًا عسكريًا قوميًا، يقبل بالشروط الأمريكية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة