أعلنت دولة الإمارات، منذ أيام، إدراج 16 فرداً و5 كيانات على قائمة الإرهاب المحلية، لارتباطهم بـحزب الله، في خطوة تعكس تحوّلاً نوعياً في المقاربات الأمنية المعاصرة داخل المنطقة الخليجية.
فالقرار لا يندرج فقط ضمن الإجراءات التقليدية المرتبطة بمكافحة الإرهاب، بل يكشف عن انتقال متزايد نحو استراتيجيات تستهدف البنى المالية والتنظيمية واللوجستية العابرة للحدود، باعتبارها جزءاً أساسياً من البيئة التي تسمح للتنظيمات المسلحة بالاستمرار والتكيّف.
خلال العقود الماضية، ارتبط مفهوم مكافحة الإرهاب أساساً بالمواجهة الأمنية المباشرة، من خلال ملاحقة العناصر المسلحة وإحباط العمليات والهجمات المحتملة. غير أن التحولات التي شهدتها التنظيمات العابرة للحدود، سواء على مستوى التمويل أو الاتصالات أو استخدام الاقتصاد الموازي، دفعت العديد من الدول إلى إعادة تعريف طبيعة التهديدات الأمنية. فالتنظيمات لم تعد تعتمد فقط على البنية العسكرية التقليدية، بل باتت تتحرك عبر شبكات مالية وتجارية وإعلامية معقدة، تتجاوز الحدود الجغرافية وتستفيد من الفضاءات الرمادية في الاقتصاد العالمي.
في هذا السياق، يمكن فهم القرار الإماراتي باعتباره جزءاً من مقاربة أمنية أوسع تقوم على «تفكيك الشبكات» بدلاً من الاكتفاء بمواجهة الأفراد أو الخلايا المباشرة.
فالأهمية الاستراتيجية للقرار تكمن في استهداف ما يمكن وصفه بالبنية التحتية غير المرئية للتنظيمات، أي الشبكات التي توفر التمويل، والتغطية اللوجستية، والقدرة على الحركة والاستمرارية.
ومن هنا، لم تعد مكافحة الإرهاب تقتصر على البعد العسكري أو الأمني، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالأمن المالي والرقمي والمؤسساتي.
كما يعكس القرار إدراكاً متزايداً للعلاقة بين الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي. فالإمارات، باعتبارها مركزاً مالياً وتجارياً عالمياً، تنظر إلى الشبكات المالية غير القانونية باعتبارها تهديداً يتجاوز البعد الأمني المباشر، ليشمل الثقة في البيئة الاقتصادية والاستثمارية. ولذلك، فإن استهداف الكيانات والأفراد المرتبطين بتمويل التنظيمات المسلحة يدخل ضمن رؤية أشمل تهدف إلى حماية المجال المالي من الاختراقات المرتبطة بالاقتصاد الموازي وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
وتتزامن هذه التحولات مع تطور طبيعة الصراعات الإقليمية نفسها. فالتنظيمات المرتبطة بإيران، وعلى رأسها حزب الله، لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها فواعل عسكرية أو أيديولوجية، بل كجزء من شبكات نفوذ إقليمية متعددة المستويات، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية. ولهذا، فإن التعامل معها لم يعد يتم فقط عبر أدوات الردع التقليدي، بل من خلال استراتيجيات تستهدف الحد من قدرتها على الحركة داخل الشبكات العابرة للحدود.
ومن زاوية أخرى، يكشف القرار عن تصاعد مركزية التكنولوجيا والرقابة المالية في المقاربات الأمنية الحديثة. فالحرب على التنظيمات المسلحة باتت تُدار أيضاً عبر أنظمة تتبع التحويلات، وتحليل البيانات، والتعاون الدولي في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ومع تطور الاقتصاد الرقمي وتزايد تعقيد التدفقات المالية العالمية، أصبحت المعركة ضد الإرهاب تدور داخل البنوك والمنصات الرقمية بقدر ما تدور في المجال الأمني التقليدي.
وفي العمق، تعكس الخطوة الإماراتية تحوّلاً أوسع في مفهوم الأمن داخل المنطقة الخليجية. فالأمن لم يعد يُختزل في حماية الحدود أو الردع العسكري فقط، بل أصبح يشمل حماية البنية الاقتصادية والفضاء الرقمي والشبكات المالية والمعلوماتية. كما أن التهديدات المعاصرة لم تعد تُقاس فقط بحجم القوة العسكرية، بل أيضاً بقدرة الفاعلين غير الدولتيين على بناء شبكات نفوذ وتمويل عابرة للحدود.
ومن هنا، تبدو الإجراءات الإماراتية جزءاً من إعادة تشكيل المقاربة الأمنية الإقليمية، من نموذج يقوم على الاستجابة للتهديد بعد ظهوره، إلى نموذج استباقي يسعى إلى تفكيك البيئات والشبكات التي تسمح بإعادة إنتاجه. وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم، يبدو أن مستقبل الأمن لن يُحسم فقط في ساحات المواجهة التقليدية، بل أيضاً في القدرة على ضبط الشبكات غير المرئية التي تتحرك داخل الاقتصاد العالمي والفضاء الرقمي العابر للحدود.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة