لم تعد الحرب في السودان مجرد نزاع بين معسكرين أو فصيلين، أو صراع جنرالات على السلطة، بل تحولت إلى مختبر مفتوح لانتهاك الضمير الإنساني، وتجاوزٍ فاضح لكل الخطوط الحمراء التي توافقت عليها البشرية.
إن الصرخة الإنسانية والقانونية التي أطلقها الأسبوع الماضي المشاركون في منتدى المنظمات الأفريقية غير الحكومية بالعاصمة الغامبية بانجول، تمثل جرس إنذار يضع المجتمع الدولي أمام استحقاق أخلاقي وسياسي مصيري؛ فقد تصاعدت المطالبات لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية بإرسال فرق فنية لضمان إجراء تحقيقات شاملة وشفافة في قضية استخدام الجيش السوداني والمجموعات المتحالفة معه لأسلحة كيماوية في الحرب.
تأتي هذه التحركات الإقليمية لتسلط الضوء على مأساة حقيقية يعيشها الضحايا المدنيون في الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة وسنار. هؤلاء الأبرياء يواجهون الموت ليس فقط بقصف المُسيّرات ورصاص القنص وقذائف المدفعية، بل أيضاً بغازات سامة تخنق الأنفاس وتبيد الحياة؛ مما يرفع المخاوف من تداعيات كارثية بيئية وصحية طويلة الأمد، وسط صمت دولي وتواطؤ إقليمي معقد.
المفارقة الصادمة، والمنعطف الأكثر خطورة في هذا السياق، أن السلاح الكيماوي لم يُستخدم من قِبل ميليشيات معزولة أو عصابات منفلتة، بل جرى توظيفه بواسطة القوات المسلحة؛ تلك المؤسسة التي ما زالت تُصرّ على تقديم نفسها بوصفها "الجيش الوطني الشرعي".
هذا السلوك يفضح تماماً السردية الزائفة التي تروج لها الدول الحليفة لقيادة الجيش، ولتيار الإسلاميين المتطرفين الذين يقفون خلفه ويتحكمون في بوصلة قراره، والذين طالما حاولوا - ولا يزالون - تسويق هذا الجيش باعتباره الركيزة المؤسسية الأخيرة للحفاظ على الدولة.
وكأن ثمة دولة باقية، وكأن هذا الجيش جيش دولة؟!
إن جيشاً يخنق شعبه بالغازات السامة لا يحمي دولة، بل يحمي سلطةً إسلاموية إخوانية تتحكم فيه على حساب أرواح الضحايا.
إن استخدام السلاح الكيماوي في السودان لا يمثل مجرد انتهاك ميداني، بل سابقة خطيرة تضرب منظومة المعايير الدولية في مقتل، وتهدد الأمن والسلم في المنطقة والقارة الأفريقية برمتها.
هذا التجاوز يستوجب بشكل عاجل ملاحقة قادة الجيش السوداني جنائياً أمام المحاكم الدولية بوصفهم مجرمي حرب ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية، ولم يعد مقبولاً منحهم أي غطاء سياسي تحت لافتة "السيادة" التي داسوا عليها يوم أجهضوا أحلام شعبهم بالحرية، ثم وجهوا سلاح الإبادة الشاملة نحو صدورهم.
أمام هذه الأدلة المتزايدة والشهادات الميدانية الصادمة، بات لزاماً على الدول الأطراف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية التخلي عن خيار "القلق المكتوم"، والتحرك الفوري لدعم تحقيق شفاف ومستقل تجريه الأمانة الفنية للمنظمة عبر آليات التفتيش الإجباري والملزم.
إن إنصاف ضحايا السودان يبدأ من كسر حلقة الإفلات من العقاب، وإجبار الخرطوم على التعاون الكامل مع آليات تقصي الحقائق؛ فالوقوف مع الضحايا اليوم ليس خيارًا سياسياً، بل الواجب الأخلاقي الأخير لإنقاذ ما تبقى من إنسانيتنا.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة