بورتسودان وعبء الحركة الإسلامية.. هل يفاقم نفوذ الإخوان العزلة الدولية؟ (خاص)
لم تعد معركة السودان تُخاض فقط على خطوط النار الممتدة بين الخرطوم ودارفور وكردفان، بل باتت تقاس -أيضاً- بحجم الكلفة السياسية والدبلوماسية التي تتحملها سلطة بورتسودان خارجياً، في ظل تصاعد الاتهامات بشأن تنامي نفوذ الحركة الإسلامية داخل مفاصل القرار العسكري
ومع انتقال ملف السودان تدريجياً إلى دوائر النقاش والرقابة في واشنطن، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت عودة الإسلاميين إلى واجهة السلطة عبر الحرب قد تحولت من ورقة قوة داخلية إلى عبء دولي يفاقم عزلة بورتسودان ويعقد فرص انفتاحها على المجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، جاء بيان «تحالف السودان التأسيسي» الأخير ليضع الحركة الإسلامية في قلب معادلة الحرب والسلام، عبر اتهامها بالهيمنة على الجيش والأجهزة الأمنية والدبلوماسية، وتعطيل مسارات التسوية السياسية حفاظاً على نفوذها داخل الدولة.
ويرى محللون سودانيون تحدثوا لـ«العين الإخبارية» أن تمسك بورتسودان بخيار المواجهة لا ينفصل عن حسابات الإسلاميين الذين يعتبرون أي انتقال مدني أو تسوية شاملة تهديداً مباشراً لمشروعهم السياسي، وهو ما يفسر – بحسب تقديراتهم – تصاعد القلق الغربي من تحول السودان إلى ساحة نفوذ جديدة للإسلاميين في منطقة شديدة الحساسية إقليمياً ودولياً.
فهل تتحول الحركة الإسلامية إلى عبء دولي على بورتسودان؟
وإلى ذلك، يقول عضو المجلس العدلي لتحالف تأسيس حاتم إلياس، في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، إن الرؤية الشاملة للتحالف في برنامجه وفي عمله السياسي لآفاق الحل السياسي في السودان، أن وقف الحرب في السودان لا يتم إلا بمعرفة أسبابها، مشيرًا إلى أن من يقف وراء هذه الحرب هو الحركة الإسلامية، التي أشعلت جذوتها للحفاظ على استمرارية سلطتهم والدفاع عن مصالحهم، واعتقادهم بأنهم هم أصحاب الحق الإلهي في حكم الشعب السودان.
ورغم أن الشعب السوداني أسقط نظامهم، لكنهم أعادوا الكرة مرة أخرى عبر انقلاب عبدالفتاح البرهان، وعادوا إلى السلطة مرة أخرى، بحسب عضو المجلس العدلي لتحالف تأسيس، الذي أشار إلى قبضة تلك الحركة على إدارة الأمور داخل الجيش السوداني.
وحول كواليس بيان «تأسيس» الموجه لمجلس النواب الأمريكي، قال إنه يأتي في إطار الاستجابات الفورية لأي دعاوى للسلام ولإيقاف الحرب في السودان.
إلا أن الرفض الأساسي يأتي من تنظيم الإخوان المسلمين الذي يهيمن الآن على السلطة وعلى مفاصل الحياة السياسية في السودان، وعلى الجيش وعلى الأجهزة الأمنية، وعلى كل مؤسسات الدولة السودانية التي اختطفها هذا التنظيم لصالحه، بحسب عضو «تأسيس».
والآن هو لا يرغب في السلام لأن السلام نفسه يعني نهاية هذا التنظيم ومحاسبته وتسليم المطلوبين منهم للمحكمة الجنائية الدولية، والبحث والتحقق ممن أطلق الرصاصة الأولى في حرب السودان، مما يكشف سبب اعتبار الحركة الإسلامية القتال والحرب بمثابة قضية وجودية.
بورتسودان رهينة
في السياق نفسه، قال المحلل السياسي السوداني موسى جودة، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن بورتسودان أصبحت رهينة لقرارات الحركة الإسلامية وحلفائها، من خلال سيطرة الأخيرة على القرار السياسي والعسكري، واستحواذها على الميناء، والجمارك، والضرائب.
وأوضح أنه لم يعد ممكناً الفصل بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية في السودان، في ظل تغلغل واسع للتنظيم داخل مفاصل الدولة السيادية والأمنية والدبلوماسية، مشيرًا إلى أن الحركة الإسلامية لا تكتفي بالتأثير في القرار العسكري، بل تمارس نفوذاً مباشراً على صناعة القرار السياسي والخارجي عبر شبكات داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارة الخارجية، التي باتت خاضعة لتوازنات مرتبطة بالتنظيم أكثر من خضوعها للمؤسسة الرسمية للدولة.

ويشير إلى أن تعدد مراكز النفوذ داخل الخارجية، إلى جانب حضور عناصر أمنية وعسكرية مرتبطة بالإسلاميين، جعل قدرة المسؤولين التنفيذيين على اتخاذ قرارات مستقلة محدودة للغاية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالحرب والتسوية السياسية.
وذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن الجيش نفسه لم يعد كياناً مستقلاً عن الحركة الإسلامية، بل امتداداً لبنيتها السياسية والأمنية التي ترسخت منذ وصول نظام عمر البشير إلى السلطة عام 1989، مستدلا بحوادث شهدت تراجع قيادات عسكرية عن تفاهمات إقليمية ودولية عقب اعتراضات صدرت من دوائر داخلية محسوبة على الإسلاميين، فيما يعد مؤشراً على أن القرار النهائي لا يزال بيد مراكز نفوذ غير معلنة داخل الدولة.
كما يرى أن استمرار الحرب يرتبط بحسابات تتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة، لتتصل برغبة الإسلاميين في الحفاظ على نفوذهم السياسي ومنع أي تسوية قد تعيد فتح ملفات تفكيك النظام السابق أو المحاسبة السياسية والقانونية.
بؤرة توتر
وفي هذا السياق، تتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية، من أن يؤدي استمرار نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة السودانية إلى تحويل البلاد إلى بؤرة توتر مزمنة في الإقليم، خصوصاً في ظل امتلاك التنظيم خبرات طويلة في بناء الشبكات الأمنية والعسكرية وتوظيف الصراعات المسلحة كأداة لإعادة التموضع السياسي، بحسب المحلل السياسي السوداني موسى جودة.
ويرى أن القلق الدولي لا يرتبط فقط بطبيعة الدور الذي تلعبه الحركة الإسلامية داخل السودان، بل أيضاً بإمكانية توظيف الحرب لإعادة إنتاج نموذج حكم مشابه لمرحلة «الإنقاذ»، بما يحمله ذلك من تداعيات على أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي وعلاقات السودان الخارجية.
ويعتبر أن رفض الإسلاميين لأي تسوية سياسية شاملة يعود إلى إدراكهم أن أي عملية انتقال مدني حقيقية قد تهدد وجودهم داخل مؤسسات الدولة، مما دفعهم إلى تعطيل الاتفاق الإطاري والتشكيك المستمر في المبادرات الإقليمية والدولية ضمن استراتيجية تهدف إلى إطالة أمد الحرب وإعادة تشكيل موازين القوى العسكرية والسياسية.
واتهم الحركة الإسلامية بالعمل على تعزيز نفوذها داخل الجيش عبر التوسع في عمليات التعبئة والتجنيد، والسعي لإعادة بناء تفوق عسكري يسمح لها بفرض شروطها في أي مفاوضات مستقبلية، إلى جانب محاولات تفكيك خصومها عبر الانقسامات السياسية والعسكرية، بما يضمن استمرار هيمنتها على المشهد السوداني بعد الحرب.
تخوفات دولية
بدوره، قال المحلل السياسي السوداني سيبويه يوسف، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن هناك تخوفات دولية من نفوذ الإخوان والحركة الإسلامية المتنامي على الجيش، وقبضتها على مقاليد الأمور، وقرارات الحرب والميدان.
نفوذ وارتباط لم ينكره قادة الجيش أنفسهم، بل إن قياديين بارزين في الحركة الإسلامية بينهم أمين حسن عمر، قال إن أصغر جندي رتبة وكيل عريف هو من ضمن الحركة الإسلامية، مما يكشف مدى الارتباط الوثيق بين الإخوان والجيش.
وأوضح المحلل السياسي السوداني، أنه بات واضحًا للقوى الدولية، أن من أشعل هذه الحرب هي الحركة الإسلامية، مما دفع الإدارة الأمريكية إلى تصنيف الإخوان المسلمين منظمة إرهابية.
ذلك الدور انعكس على قرارات بورتسودان الداخلية والخارجية، وكان مرآة لمواقفها من حرب السودان والمفاوضات التي أجهضتها، مما كشف مدى سيطرة الإخوان على القرار ليس العسكري فقط، بل الدبلوماسي أيضا، بحسب سيبويه يوسف.
وأعرب عن أسفه من أن ذلك التغلغل والنفوذ المتنامي، سيجعل السودان من يدفع فاتورته، نظرًا للعزلة الدولية، التي قد تجد سلطات بورتسودان نفسها فيه، مشيرًا إلى أنها (بورتسودان) لا تملك أي رصيد من العلاقات الدولية، مستدلا على قوله، بأنه في زيارة رئيس الوزراء لحكومة بورتسودان كاميل إدريس، إلى أوروبا، لم يجد الاستقبال المنوط برئيس حكومة، مما اضطره إلى لقاء ناشطين في جاليات عربية وغيرها.