رئيس وزراء بورتسودان في أوروبا بحثا عن «شرعية».. والأبواب موصدة (خاص)
جولة أوروبية لرئيس وزراء حكومة بورتسودان كامل إدريس أثارت كثيرا من الجدل في توقيتها وأهدافها.
الجولة التي قادت إدريس إلى روما والفاتيكان ولندن، انتهت من دون لقاء أي مسؤول حكومي بارز، وحتى بعض اللقاءات المجدولة مع برلمانيين ألغيت من جانب الطرف المضيف، وفق سائل إعلام وصحف سودانية.
اللقاء الوحيد الذي عقده إدريس مع بابا الفاتيكان البابا ليو، اعتبرته صحف وخبراء سودانيون حفظا لماء الوجه، ومحاولة لإنقاذ تلك الجولة.
جولة فاشلة
وقالت صحيفة "الراكوبة نيوز" السودانية إن جولة إدريس "لم تحقق أي نتائج سياسية أو دبلوماسية ملموسة"، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة على تحركات الوفد.
وقالت المصادر "لم تسفر الجولة عن لقاءات رسمية ذات وزن سياسي، رغم محاولات مستشاري قائد الجيش عبدالفتاح البرهان الدفع باتجاه فتح قنوات اتصال مع مؤسسات أوروبية مؤثرة".
وبحسب المعلومات، اقترح مساعدون للبرهان ترتيب لقاء بين إدريس وبابا الفاتيكان، بهدف تحسين صورة السلطة لدى العواصم الأوروبية، إلا أن المساعي لم تتجاوز اتصالات بروتوكولية محدودة لم تُحدث أي اختراق دبلوماسي، وفق المصادر.
وأضافت "اجتماعات روما كانت أقرب إلى العلاقات العامة، دون أي مؤشرات على دعم سياسي مباشر للسلطة القائمة في بورتسودان".
اعتداءات في أكسفورد
أما في بريطانيا، فشارك إدريس في فعالية نظمها اتحاد طلبة جامعة أكسفورد، من دون أي لقاءات حكومية أو برلمانية.
وأفادت وسائل إعلام سودانية، بأن أفرادا من الجالية السودانية في بريطانيا نظموا وقفة احتجاجية أمام جامعة أكسفورد، تزامناً مع زيارة إدريس لبريطانيا، حيث رفع المحتجون شعارات منددة بالحرب والانتهاكات الجارية في السودان، قبل أن تتطور الأحداث إلى اشتباكات واعتداءات جسدية.
وتابعت "العين الإخبارية" مقاطع فيديو ومشاهد وثقها ناشطون تظهر فيها حالة من التوتر والتدافع بين محتجين سودانيين وأفراد من حراسة إدريس، وفق النشطاء.
وأفادت صحف سودانية بأن الشرطة البريطانية فتحت بلاغات رسمية مع بعض أفراد الوفد المرافق لإدريس على خلفية تلك الاعتداءات.
وأضافت: "تم إلغاء لقاء كان مقرراً بين وفد كامل إدريس والمجموعة البرلمانية البريطانية متعددة الأحزاب الخاصة بالسودان، على خلفية تلك الحادثة".
شرعية زائفة
وقال المحلل السياسي السوداني النجمي عثمان لـ"العين الإخبارية" إن زيارة إدريس إلى الفاتيكان تأتي في إطار محاولة البحث عن "شرعية خارجية زائفة" لحكومة هي "امتداد لسلطة انقلابية"، مشيرًا إلى أن "هذه التحركات تهدف إلى إضفاء طابع مدني على السلطة الانقلابية القائمة في السودان".
وأضاف أن كامل إدريس "جاء في ظل واقع سياسي نتج عن انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 على الحكومة الانتقالية برئاسة عبدالله حمدوك"، معتبرًا أن الحكومة الحالية "تحاول تقديم نفسها بصورة مختلفة أمام المجتمع الدولي".
استقبال بروتوكولي
وأوضح أن "زيارة الفاتيكان ومحاولات الانفتاح على المؤسسات الدينية والمسيحية تهدف إلى نفي الاتهامات المرتبطة بالإخوان المسلمين"، مضيفًا أن "السلطة الحالية تسعى إلى تقديم نفسها كحكومة منفتحة ومتسامحة رغم الاتهامات الموجهة إليها".
وتابع أن "الاستقبال الذي حظي به كامل إدريس في الفاتيكان كان بروتوكوليًا ومحدودًا، ولا يعكس اعترافًا سياسيًا حقيقيًا"، مؤكدا أن "الحكومات الغربية والمؤسسات الدولية تنظر بحذر إلى السلطة القائمة في بورتسودان".
وأشار المحلل السوداني إلى أن "كامل إدريس ظل لسنوات يسعى للوصول إلى منصب رئيس الوزراء منذ عهد حكومة الإنقاذ"، مضيفًا أن "الظروف السياسية والحرب الحالية وفرت له فرصة الوصول إلى المنصب بدعم من قائد الجيش عبدالفتاح البرهان".
كما اعتبر أن البرهان "يوظف هذه التحركات الخارجية في محاولة لكسر العزلة الدولية المفروضة على السلطة الانقلاب في بورتسودان"، مشددا على أن "المجتمع الدولي لا يزال متمسكًا بمطالب الحل الشامل ووقف الحرب والعودة إلى مسار سياسي متوافق عليه".
وأضاف أن "الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وعددًا من القوى الدولية لا تعترف بشرعية الإجراءات الانقلابية"، مشيرًا إلى أن "هناك رفضًا دوليًا لاستمرار الحرب ومحاولات فرض واقع سياسي بالقوة".
وختم بالقول إن "الرهان على اكتساب شرعية خارجية عبر الزيارات والتحركات الدبلوماسية لن يغيّر من موقف المجتمع الدولي تجاه الأزمة السودانية"، معتبرًا أن "الحل الحقيقي يظل مرتبطًا بإنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة".
محالة كسر العزلة
من جهته، قال المحلل السوداني سيبويه يوسف إن زيارة إدريس إلى الفاتيكان "لم تحقق أي مكاسب سياسية حقيقية"، معتبرًا أنها تأتي في إطار محاولات كسر العزلة التي تعيشها سلطة بورتسودان على المستويين الإقليمي والدولي.
وأضاف يوسف، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، أن "الاتحاد الأوروبي عمومًا يتبنى موقفًا رافضًا للسلطة الحالية في بورتسودان"، مشيرًا إلى أن الزيارة "لم تضف شيئًا سوى تلبية طموحات شخصية ومحاولة إظهار وجود حراك دبلوماسي".
وأوضح أن "الواقع السياسي يشير إلى وجود حصار وعزلة كبيرة تعاني منها سلطة بورتسودان"، لافتًا إلى أن كامل إدريس "يحاول عبر هذه الجولات الخارجية إرسال رسائل بأنه يتحرك سياسيًا ودبلوماسيًا رغم محدودية النتائج".
وأشار إلى أن زيارة إدريس إلى لندن شهدت "احتجاجات من الجالية السودانية في بريطانيا ورفضًا واسعًا لزيارته"، معتبرًا أن ذلك يعكس "حجم الرفض الشعبي والسياسي لسلطة بورتسودان الحالية".
كما وصف زيارة الفاتيكان بأنها "أثارت حالة من السخرية حتى داخل بعض الأوساط المحسوبة على الحركة الإسلامية الداعمة لسلطة بورتسودان"، مضيفًا أن الانتقادات طالت طبيعة اللقاءات والمخرجات التي رافقت الزيارة.
وأكد المحلل أن "بورتسودان تعيش حاليًا عزلة دبلوماسية متصاعدة"، مشيرًا إلى توتر علاقاتها مع عدد من دول الجوار.
وأضاف أن "الأزمة الحالية تعكس فقدان سلطة بورتسودان لجزء كبير من أدوات التواصل السياسي والدبلوماسي"، مؤكدا أن "التمسك بخيار الحرب ساهم في إطالة أمد الأزمة والمعاناة الإنسانية في السودان".