سياسة

حرب التجارة وإدارة الاقتصاد العالمي

الجمعة 2018.12.7 08:28 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 323قراءة
  • 0 تعليق
 مجدي صبحي

هل نحن في سبيلنا فعلا لنشهد نهاية سلمية لحروب التجارة التي شنتها الولايات المتحدة على شركائها التجاريين، وخاصة الصين، بعد اجتماع كل من الرئيسيين الأمريكي والصيني على هامش قمة العشرين، يوم السبت الماضي؟ وفقا للاتفاق بين الطرفين، فقد تم عقد هدنة بينهما تمتد لثلاثة أشهر يتم خلالها التفاوض للتوصل لاتفاق بين الطرفين، على أن يبدأ الطرفان فورا في إجراءات تدعم الثقة بينهما، ومن بين هذه الإجراءات زيادة الصين فورا لمشترياتها من السلع الأمريكية خاصة السلع الزراعية لخفض فائضها التجاري مع الولايات المتحدة، وهو اقتراح كانت في الواقع قد تقدمت به بكين منذ نحو ثمانية أشهر في سبيل تهدئة حدة النزاع التجاري مع الولايات المتحدة.

الأمر الذي يبدو واضحا لدي أنه حتى لو تم التوصل لاتفاق تجاري بين الولايات المتحدة والصين فستظل هناك مشكلات تتفجر بين وقت وآخر، طالما ظل هناك تفاوت ما بين القدرات الصينية الاقتصادية المتنامية وبين طبيعة مشاركتها في النظام الاقتصاد الدولي.

وتبقى المطالب الأمريكية الرئيسية تتعلق بما ترى أنه استيلاء صيني على التكنولوجيا الأمريكية، إما بممارسات تعسفية تتمثل في إرغام الشركات الأمريكية التي ترغب في العمل في الصين على إعلان ونقل أسرارها التجارية لشركائها الصينيين حتى يتم الترخيص لهم بالعمل، وإما بالاحتيال والسرقة المباشرة للأسرار التكنولوجية الأمريكية، أو بالقرصنة وتجاهل حقوق الملكية الفكرية الأمريكية، وقد أبدت الصين بعض التجاوب في هذا الصدد، خاصة أن هذه المطالب تطالب بها الدول الغربية المتقدمة كلها وليس الولايات المتحدة وحدها، حيث حرص الرئيس الصيني على تأكيد موقف بلاده الجديد بتحقيق المزيد من الانفتاح على الشركاء الأجانب وتخفيف شروط دخولهم للعمل في السوق الصيني.

ولكن تبقى في الحقيقة نقاط الخلاف الرئيسية تتعلق بالمسكوت عنه، وهو أولا أن الصين باتت قوة اقتصادية وتجارية كبرى راسخة مع التزايد المستمر في قدراتها التنافسية، ثم ثانيا الخوف من خطط الصين في التحول إلى اقتصاد متقدم ومتخصص في إنتاج وتصدير السلع المتقدمة تكنولوجيا بحلول عام  2025 وتأثير ذلك على الغرب عموما وعلى الولايات المتحدة خاصة، ثم أخيرا عدم التجاوب الكافي مع تطلع الصين لما تراه حقا لها وهو المشاركة في إدارة الاقتصاد العالمي الذي ظل أمر التحكم فيه معقود للغرب لمدة ثلاثة قرون تقريبا.

إدارة الاقتصاد العالمي

والواقع أن أمر إدارة الاقتصاد العالمي، حتى وفقا للشروط المؤسسية التي رسمتها الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية والتي تم تفصيلها فيما يعرف باتفاقيات بريتون وودز والتعديلات التي أدخلت عليها لاحقا، تعطي للصين دورا أكبر بكثير من الدور الذي تلعبه حاليا في إدارة المؤسسات المالية الدولية الرئيسية كصندوق النقد والبنك الدوليين.

فصندوق النقد الذي تَأسَّس قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية لم يكن تأسيسه استجابة لنتائج الحرب، بل لأوضاع ما قبل الحرب والتي يرى البعض أنها كانت من بين الأسباب الرئيسية لنشوب الحرب العالمية الثانية، ومن بين هذه الأوضاع كان ما يحتل موضع الأولوية هو اشتداد أوار الصراع التجاري وعلى وجه التحديد بين البلدان الغربية عبر استخدام آلية تخفيض سعر الصرف، أو ما يطلق عليه سياسة "إفقار الجار"، ولذا أتى الصندوق بهدف تحقيق الاستقرار في نظام المدفوعات الدولي وتحفيز التبادل التجاري وفقا للتنافسية الحقيقية المستندة إلى إنتاجية السلع المختلفة في مختلف البلدان، بينما كانت نتائج الحرب مهمة كعامل مساعد في تحقيق هيمنة شبه شاملة للاقتصاد الذي خرج من الحرب سليما وطرح عملته كعملة دولية (أي الاقتصاد الأمريكي)، وعلى الرغم من أن رئيس المؤسسة ليس أمريكيا فإن التفاهم هو أن يكون رئيس المؤسسة أوروبيا مقابل أن يكون رئيس البنك الدولي أمريكيا، علاوة على كل هذا فقد احتفظت الولايات المتحدة، منذ تم تأسيس الصندوق وحتى الآن، عبر قوتها التصويتية بحق الاعتراض (الفيتو) على القرارات المهمة التي تُتَّخَذ، ولذا فعلت وتفعل الولايات المتحدة المستحيل في سبيل عدم خسارتها لهذا الوضع، وقد جرى تعديل الحصص داخل الصندوق أكثر من مرة، بل وبدا هناك دفع غربي نحو ذلك مع الاحتياج لتمويل أكبر للمؤسسات الدولية من قبل دول كالصين في أعقاب تفجر الأزمة المالية العالمية في عام 2008، إلا أن الصين ما زالت حتى الآن لديها حصة تصويتية لا تتناسب بأي حال مع وزنها الاقتصادي والتجاري في الاقتصاد العالمي، وهي المعايير الأساسية التي يتم بناء عليها تحديد حصص الدول الأعضاء وقوتها التصويتية في صندوق النقد الدولي، وكان بالتالي الحيلولة دون لعب الصين ودول الاقتصادات الصاعدة الأخرى مثل الهند والبرازيل دورا أكبر في الصندوق في قلب علاقات القوة المعاصرة في عالمنا، التي لا تستند إلى أي غطاء شرعي مقبول.

والمفارقة الحقيقية هي أن الاقتصادات الصاعدة هي التي تدعو الآن إلى التمسك بقواعد النظام الاقتصادي الدولي الذي خلقته الولايات المتحدة والدول الغربية، فالمشكلة أضحت الآن في كون الدول الصاعدة كالصين على سبيل المثال تريد الحفاظ على قواعد لعبة التجارة، وفقا لما هو مسجل في الكتب التعليمية أي في صورتها المثالية (الصورة الأيديولوجية المدعاة)، باعتبارها تستند إلى القدرات التنافسية النسبية لكل دولة من الدول، بينما لا يريد الآخرون في الغرب وخاصة في واشنطن، في الوقت ذاته، في النظر والاستجابة للتبدل المستمر الحادث على أرض الواقع من تغير نسبي في موازين القوى الاقتصادية، فالقادمون الجدد الذين استطاعوا تحقيق انتصارهم بفضل تلك القواعد، بل وفي أحيان كثيرة بفضل إجادتهم للمراوغة والاحتيال على تلك القواعد كما فعلت قبلهم القوى الغربية، هم الأكثر تمسكا الآن بها؛ فهؤلاء القادمون الجدد ما زال أمامهم شوط يقطعونه بالاستعانة بنفس تلك القواعد، ولذا يبدون الآن الأكثر إخلاصا لقواعد المباراة وبشكل يفوق إخلاص من ابتكروا تلك القواعد في المقام الأول، الذين لم تعد المباراة بقواعدها المتعارف عليها تناسب مصالحهم. إنه تَجلٍّ واضح للكلمة الحكيمة التي قالت بها الاقتصادية الإنجليزية الراحلة جون روبنسون منذ وقت طويل مضى، "إن البلد الأكثر مناداة بحرية التجارة هو البلد الأكثر استفادة منها".

وأظن أن قضية النظام الاقتصادي العالمي أضحت تتجاوز مجرد إعطاء صلاحيات جديدة للصندوق أو غيره من المؤسسات القائمة، فليس الوضع كما كان عليه في الأربعينيات من القرن الماضي، فهل يُعدُّ أمرا غريبا أن يكون دونالد ترامب هو أول مرشح يفوز بالترشح عن الحزب الجمهوري ثم بالانتخابات الرئاسية ذاتها ببرنامج يتبنى بكل وضوح "الحمائية" التجارية كسياسة موجهة للاقتصاد؟ في الوقت الذي فشل فيه في السابق مرشحون آخرون، مثل السيناتور ريتشارد جيبهارت في الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي عام 1987 ببرنامج مشابه.

الأمر الذي يبدو واضحا لدي هو أنه حتى لو تم التوصل لاتفاق تجاري بين الولايات المتحدة والصين؛ فستظل هناك مشكلات تتفجر بين وقت وآخر، طالما ظل هناك تفاوت ما بين القدرات الصينية الاقتصادية المتنامية وبين طبيعة مشاركتها في النظام الاقتصادي الدولي، وعلى الأغلب طال الزمن أو قصر فستضطر الولايات المتحدة إلى إفساح مكانة للصين في قيادة إدارة الاقتصاد العالمي تتناسب مع قدراتها الاقتصادية والتجارية، بل وفي المستقبل القريب قدراتها التكنولوجية أيضا، هذا؛ أو صراع مفتوح مكلف وغير مضمون العواقب، حيث أنه لن يظل طويلا محصورا في دائرة النزاعات التجارية والاقتصادية فقط.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات